بمقالين سابقين نُشرا في هذه الصحيفة، تحدثت فيهما عن المشروعات التى دشنها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - يحفظه الله - قبل أسابيع، والتي شملت منطقة الرياض ومدينة الرياض على التوالي، لا فتاً الانتباه إلى ضرورة جدولتها وفق منهجية تضمن سلامة التنفيذ وتتفادى في نفس الوقت حدوث اختناقات في الطاقة الاستيعابية للاقتصاد وحدوث ضغوط تضخمية.

في هذا المقال سأحاول على عجالة استعراض أبرز أسباب فشل المشروعات في بلادنا وطرح بعضاً من الحلول لمعالجتها. المهندس صالح التركي أمين جدة خلال ورشة عمل أقيمت بغرفة جدة بمناسبة الاحتفال بمرور 75 عاماً على تأسيسها، حدد أسباب تعثر المشروعات الحكومية، منوهاً إلى أن 90 % من مشروعات وزارة الشؤون البلدية والقروية متعثرة ومتأخرة، مشيراً إلى أن جدة تستحوذ على 40 % من تلك المشروعات. وعزا أمين جدة، سبب فشل المشروعات وتعثرها إلى عدم التزام شركات المقاولات بالمواصفات وتطبيقها بل وحتى التحايل عليها، مما تسبب في تدهور الشوارع والطرقات. ومن بين الأسباب الأخرى كذلك لتعثر المشروعات أخذ المقاولين لمشروعات تفوق طاقاتهم الاستيعابية وقدراتهم الفنية وإمكاناتهم المالية، مما تسبب وفقاً لما تشير إليه الإحصائيات في تعثر مشروعات تزيد قيمتها عن تريليوني ريال، وأن نسبة ما يتم إنجازه من المشروعات في الوقت المحدد لا تتجاوز 10 %.

أتفق تماماً مع أمين جدة إلى ما رمى إليه من أسباب تعثر المشروعات الحكومية في بلادنا، والتي من بينها أيضاً ما أشارت إليه الندوة السنوية السابعة لديوان المراقبة العامة بعنوان «أسباب تعثر تنفيذ المشروعات الحكومية وسبل معالجتها»، والتي أكدت على عدة جوانب لا بد من توافرها لحل مشكلة تعثر المشروعات الحكومية، من بينها الحاجة لتوفير الكفاءات ذات التأهيل العلمي والخبرة في الإعداد والتخطيط الفني والهندسي لمشروعات الجهات الحكومية والدقة في تحديد الاحتياجات، ووضع المواصفات الفنية المناسبة لتجنب كثرة أوامر التغيير والدقة في إعداد دراسات الجدوى للمشروعات الكبرى والحرص على تحديد مواقع المشروعات قبل تصميمها.

برأيي أن السبب الرئيس لتعثر المشروعات في بلادنا، هو هشاشة البنية التأسيسية والهيكلية لقطاع البناء والتشييد (المقاولات) في بلادنا الذي نما بشكلٍ مفاجئ وغير متدرج وتضخم خلال حقبة السبعينات من القرن الماضي ولكن وللأسف الشديد على أسس ضعيفة غير صلبة وغير متينة، حتى أن أصبح القطاع مأوىً للكثير من الدخلاء على الصناعة لمن يفهم ومن لا يفهم فيها بغرض تحقيق الأرباح والمكاسب المالية العالية، بغض النظر عن جودة التنفيذ أو نوعية الأداء.. وانكشفت مشكلات القطاع وتفاقمت في حقبة الثمانينات من نفس القرن عندما بدأ القطاع يشهد تراجعاً حاداً في الأداء.. ومما فاقم من مشكلة القطاع الممارسات الخاطئة التي تمارس من العاملين في القطاع التي من بينها الإفراط في التقاول من الباطن وإسناد الأعمال لشركات ومؤسسات غير متخصصة في مجال المقاولات بالشكل الفني والمهني الاحترافي، مما تسبب في تضخيم المشكلة وأصبح علاجها أمراً ميؤوساً منه.

برأيي أن الحل الوحيد للخروج من مأزق تعثر المشروعات في بلادنا، إنشاء وزارة للتشييد والبناء والصيانة على غرار ما كان موجودا في الماضي (وزارة الإسكان والأشغال العامة)، بحيث تكون من بينها مهامها الرئيسة، تلقي جميع طلبات الحكومة من المشروعات التي لها علاقة بالبناء والتشييد، مثل بناء الكباري والأنفاق والطرقات، بما في ذلك المباني الحكومية ومشروعات الإسكان، لتقوم الوزارة بدراسة جداوها الاقتصادية وأفضل الطرق لتنفيذها من خلال إسنادها لمقاولين محترفين ومصنفين ومشهود لهم بالقدرة الفنية والمالية المميزة في آنٍ واحد. كما ويقترح أن يكون من بين مهام الوزارة، منح شهادة التصنيف للمقاولين وفق معايير فنية ومالية صارمة، بما في ذلك تخفيضها أو إلغائها وأيضاً إلزام المقاولين بتطبيق مواصفات كود البناء السعودي Saudi Building Code - SBC على جميع المشروعات الحكومية، بما في ذلك فرض التعاقد بعقد «فيديك» Fédération Internationale Des Ingénieurs Conseils -FIDIC وما يطرأ عليه من تغييرات وتعديلات مستقبلية.

إن مثل هذه الحلول ستقضي على الممارسات الخاطئة والعشوائية والارتجالية التي تحدث في سوق المقاولات والتي تتسبب في هدر الأموال العامة وفي سوء المخرجات ورداءتها. كما أنها ستحقق وفوارت مالية كبيرة لميزانية الدولة بسسب ما يعرف باقتصادات أو وفورات الحجم، ومثل هذه الحلول ستتيح للجهات الحكومية المختلفة التركيز على مجالات عملها الأساسي التي أنشئت من أجله، كوزارة التعليم لتركز وتتفرغ للتعليم ووزارة الصحة لتركز وتتفرغ للصحة.. وهكذا، مما سيوفر الجهد ويقلل من هدر الوقت بالجهات الحكومية ويحسن من إنتاجيتها.