هنا لا ألقي حكماً وإنما أتساءل كمتابع وراصد يتعاطى الشأن الثقافي لا سيما وأن جلّ القرّاء لا يعرف العلي كشاعر والبعض لا يضعه ضمن كبار الشعراء الذين تركوا أثراً خليقاً بالخلود..

ذاكرة الأيام -وإن تقادم عهدها- تظلّ وفية لا يصيبها العطب أو النسيان. بل إنها مستودع أمين قادر على قول كلمته حين تشيخ الأحداث أو تُصاب الأنفس بشحّ الحقيقة أو إذا استنامت على اتّكاءة زمنية هشّة تعتقد -جهلاً- أنّ سيرورة الأيام سوف تمرّر الأغاليط أو بشيء من التحديد الادعاءات.

وكما يصف بلماحيّة لافتة الشاعر والروائي أمين صالح أنّه بعد عقود من الكتابة، وتراكم التجربة، والتنقل بين أشكال كتابية متنوعة ومتباينة، لا تعودُ تلك الملامح الأولى ساطعةً كما كانت، صافيةً كما كانت، بل صار يكتنفها سديمٌ من اللايقين والالتباس والخلط الذي يربك الصورةَ العامة. الذاكرةُ نفسُها لم تعد تسعف، وكأنها تتكئ على وقائع مشكوكٍ في صلابتها ومصداقيتها.

هذه التوطئة السريعة هي مهاد نظري لقراءة سريعة وعابرة تحاول أن تومئ لا أن تصدر حكماً؛ وإنما ومضة تروم ممارسة التحليل بذهن بعيد عن المماحكة والجفاء اللتين قد تبدوان عليها الكلمات المقبلة.

أصدرت مؤسسة اليمامة مؤخراً؛ كتاباً رائعاً وعميقاً في محتواه وإخراجه؛ بل إنه يعدّ وثيقة تاريخية ثقافية لا غنى عنها للأجيال؛ إذ إنها ترصد "مشوار" عدد من المفكرين والأدباء ورجالات الفكر والأعمال بكافة أطيافهم، تأخذ القارئ معها في جولة عقلية ممتعة لا تخلو من فائدة وثراء ذهني وثقافي فضلاً عن القيمة التاريخية والتوثيقية لمراحل وأحداث وأفكار وغيرها.

من الحوارات اللافتة التي جبهتني بقوّة طرحها وجرأتها حوار مع الكاتب الكبير محمد العلي؛ وهو من نعرفه من رجل فكر وتنوير وثقافة عميقة يستصحبها رؤية نقدية وتحليلية نافذة.

اللقاء الذي أجراه الزميل فؤاد نصر الله كان مهمّاً وإن كانت ردود الفعل لم تظهر -على الأقل بالنسبة لي- ربما لقدم عهد الحوار مع الكاتب العلي أو ربما أنّ التعاطي النقدي مع ما ورد في الحوار كان مشوباً بالمجاملة النقدية أو إن شئتم -الجُبن النقدي- لاعتبارات حجم الكاتب الأقدم إسهاماً وحضوراً في المشهد الثقافي بعد الرعيل الأول من رواد المملكة ومثقفيها التنويريين كعبدالله عبدالجبار ومحمد حسن عواد وحمزة شحاتة وأحمد السباعي وحسين سرحان وعبدالفتاح أبو مدين وغيرهم كثير.

لقاء الكاتب محمد العلي كانت إجاباته مشبعة بثقة مفرطة في شاعريتّه؛ وتضمّن رأياً بقدر ما هو صادم فإنّه مُلزِم بمراجعات تاريخية لأقوال وآراء الكثير ممن نحمل الكثير من التقدير والثقة خصوصاً الأحياء منهم.

الرأي الذي أطلقه محمد العلي بعد طرح عدة أسئلة عليه سواء حول مثقفي عصره أو من جايلهم وكذلك حول شعره ورأيه في بعض القامات الشعرية الفارعة؛ وألمح في بعض مفاصل الحوار أنّه تفوّق شعرياً على الشاعر الفذ محمد الجواهري في إحدى المناسبات في العراق بل إنه قال إن ما ألقيته من شعر كان أفضل بكثير. صيغة التفضيل هذه تحتاج وقفة ومساءلة نقدية حتى يقف القارئ على حقيقتها؛ لا سيما وأن الشاعر الذي قصده العلي "محمد الجواهري" يعدّه البعض "متنبّي العصر"؛ وهو الشاعر الذي قطع شوطاً بعيداً في رسم الحالات الاجتماعية وتصويرها وهو بحسب عبدالله عبدالجبار من أكثر شعراء الشرق احتفالاً بأحداث المجتمع وملابساته وممن يتّسم شعره في مبناه بالجزالة والقوّة كما أنّ قصيدته في رثاء أخيه جعفر تعدّ من أروع ما قيل في الشعر العربي من الرثاء.

طبعاً لا بد من التأكيد أني هنا لا ألقي حكماً وإنما أتساءل كمتابع وراصد يتعاطى الشأن الثقافي لا سيما وأن جلّ القرّاء لا يعرف العلي كشاعر والبعض لا يضعه ضمن كبار الشعراء الذين تركوا أثراً خليقاً بالخلود.

لا أحد يختلف على أهمية محمد العلي مثقفاً رائداً قدم الكثير من الأفكار الحداثية والرؤيوية لكن عند التوقّف عند شعريّته فإننا نحتاج إلى شيء من التثبّت وعدم المجازفة فالعلي -وفقاً لبعض النقّاد كمحمد العباس مثلاً- شعره يحتاج مصفاة لتقطير شعره؛ بمعنى أن القليل جداً منه يستحق الوقوف عنده كقصيدته "لا ماء في الماء" عدا ذلك لا إبداع حقيقياً تلتمسه لديه.

هذا عرض سريع عن بعض الآراء التي أتوقّع أن إطلاقها حينها لا يعدو كونه ضرباً من المجازفة والمغامرة غير المحسوبة التي قيلت في وقت حماسي لم يحسب للذاكرة التاريخية حسابها...!

ختاماً محمد العلي رائد وكاتب ومفكر عميق الأثر وحان وقت تكريمه على الأقل من بين أصدقائه ومن نقّادنا لقراءة تجربته قراءة نقدية تضعه في مكانه الخليق به خصوصاً تجربته الشعرية حتى تبقى في ذاكرة الأجيال التي تحتاج من يبصّرها بمواقع كُتّابها وشعرائها وروائيّيها دون غمط أو مبالغة.