تقول أمثال الشعوب وقد اتحدت مع تعدد لغاتها "لا تبكِ على اللبن المسكوب"، فهل هذا هو حال صناعة الإعلام وتعليمه؟ المتابع لما يدور حول العالم يدرك أن العالم بات ينظر للإعلام ووسائله الجماهيرية التي أصبحت تحمل اسم التقليدية من زاوية التقنيات الحديثة التي مزقت هذه الصناعة كما مزقت الكثير الروابط التقليدية.

ولم يسلم تدريس الإعلام من هذه الهجمة من أهل المهنة أو من جيل التطبيقات التقنية. نظرات متعددة بعضها قاصر وبعضها فيه من الجرأة والكفاءة الكثير. فعندما تقول منظمة أممية كاليونسكو عن تفشي ظاهرة التزييف الإخباري وأن سماء البشر بحاجة إلى تنقية من هذا التزييف فهذا يختلف عندما يقول ذلك شخصية عامة كالرئيس ترمب وهو يتهم قنوات مثل CNN بأنها تفبرك وتزيف الأخبار.

وبدأت تتطور المشكلة وتكبر معها كرة الجليد، فبعضهم يمارس الوعظ والفضيلة وفي فناء منزله الداخلي من يمارس هذا التزييف والرذيلة المعلوماتية. وآخر ممارسات الفضيلة أتت بالأمس القريب من لندن عاصمة الحرية والدفاع عنها في نظر البعض وهي في نظر البعض الآخر تمارس النقيض. فقد عين وزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت المحامية العربية أمل علم الدين وزوجة الممثل جورج كلوني عينها "سفيرة لحرية الإعلام". وهو منصب شرفي تحاول من خلاله استغلال نوافذ الدبلوماسية والقانونية للدفاع عن الصحفيين وتمكينهم من تأدية عملهم.

وهنا دخل مجال الفتوى بأن هناك خيطاً رفيعاً يميز بين البلد الحر والبلد القمعي هو معيار تأدية العمل الصحفي. نعم هو أحد المعايير ولكنه معيار ناقص فالحرية كل لا يتجزأ. وكما أن هناك خيطاً رفيعاً بين بلد الحرية وبلد القمع فهناك خيط رفيع آخر بين الإعلام الأجير والعميل لصالح مخابرات أجنبية وأجندات أجنبية وبين إعلام وطني نزيه وإن كان في عيون الغرب غير حر. هذه هي معادلة العالم الآن في صناعة الإعلام المهني.

وفي جانب تدريس الإعلام أيضاً هناك تقلبات واسعة بين تمكين الفرد وتوسيع مساحة حريته وإبداعه وتبني التغريب بحجة الثقافة الكونية وبين إعلام الترابط الوطني والمؤسسي. فالفرد لا يستطيع تحمل تكاليف أخطائه وما يلحق منه من ضرر يصعب إصلاحه في مقابل مؤسسة إعلامية تخشى عقوبة الخطأ الإعلامي. جدل لن يعيد لبن الإعلام المسكوب، وإنما يذكرنا ألا نكرر أخطاء الماضي ونظن أن الإعلام لعبة إبهار بصري وإنما هي لعبة عقول وخبرات مثلما هي حيوية وإبهار.