على الإعلام التقليدي، الذي سيظل معبراً عن المواقف الحكومية والسياسية بشكل دقيق، أن يكثف من بياناته حول مواقفه من القضايا والموضوعات الحكومية عبر متحدثين رسميين لجميع الأجهزة السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها من الأجهزة ذات الارتباط..

خلال عام مضى، يمكن قراءة الإعلام في المجتمع وفق مستويين مهمين: الإعلام الرسمي والإعلام الذي تديره وسائل التواصل الاجتماعي غير الخاضعة لقواعد التقاليد الإعلامية، التي سار عليها المجتمع عبر مسيرته التاريخية.. ليس لدي أدنى شك أن وسائل التواصل الاجتماعي أربكت المشهد الإعلامي في المجتمع؛ كونها مسرحا مجتمعيا غير منضبط سوى ما تصنفه القوانين كونه مخالفا وتحديدا ذات الصيغة الإجرامية تقنيا، أو المعايير الخاصة بأمن المجتمع، أما خلاف ذلك فالمساحة مفتوحة وبلا حدود، سواء في المبالغة في الوصف، أو المبالغة في التشاؤم، أو الجهل بالأدوار، أو معالجة قضايا مهمة وحساسة، أمنية أو سياسية، بدرجة وعي منخفضة.

هذه هي أزمة وسائل التواصل الاجتماعي في كثير من الدول المماثلة، ولكنها تكون أكثر بروزا إذا كانت في مجتمعات حديثة على الانطلاق في مساحات مفتوحة من الإعلام غير المنتمي إلى أي جهة، كما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ما يطرح سؤالا منهجيا وفكريا مهما حول ما يحدث في فضاء الإعلام المجتمعي الرسمي والاجتماعي، السؤال يقول إن المجتمع كونه كيانا سياسيا يجب أن يتم بحث ما يجب أن يقوم بتنفيذه الأفراد في المجتمع، وما يؤمل أن يتوقف الأفراد في المجتمع عن القيام به.

إذا ما استعرضنا الكيفية التي يتفاعل بها المجتمع مع وسائل التواصل الاجتماعي، نجد أن المجتمع السعودي يتقدم إحصائيا على المستوى الدولي في الانتماء والتفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي يمتلك السعوديون فيها كثيرا، ففي تطبيق تويتر وحده يمتلك السعوديون ما يقرب من مليوني حساب، وهذا ما يجعل التداول كبيرا في هذا التطبيق لكلمات مثل السعودية والمملكة العربية السعودية، وهنا يأتي السؤال المهم حول الكيفية التي يمكن من خلالها معالجة الفجوة بين الإيجابيات والسلبيات من تنامي التفاعل الاجتماعي مع وسائل التواصل الاجتماعي ذات المساحات المفتوحة أمام المجتمع.

من المعروف أن قطار الإعلام التلقليدي يسير في معظم الأحيان في اتجاه واحد فقط، وهذا ما يجعله أكثر انضباطا ومعرفة وأقل حوادث، فقواعده ثابتة، الإعلام الذي جلبته وسائل التواصل الاجتماعي قطار في عدة اتجاهات، ولديه ملايين المواقع التي تتقاطع حولها تلك القطارات الممتدة عبر فضاء التواصل الاجتماعي، بمعنى دقيق؛ هناك علاقة معقدة وشديدة التداخل بين ما هو تقليدي وما هو غير ذلك؛ لأن القطار الأول من السهل تحديد الموجودين على مقاعده، بل إنهم لا يذهبون إلى تلك المقاعد إلا وفق ضوابط وقوانين لركوب القطار.

في القطار الثاني؛ قطار وسائل التوصل الاجتماعي، لا يوجد أي شكل من الانضباط سوى ما تحاول الجهات الرسمية في الدول السيطرة عليه وفق تفسيراتها للكيفية التي يحدد بها ما هو مخالف للقوانين وما هو غير ذلك، وهذا ما يطرح السؤال المجتمعي المهم ذاته ما يجب علينا فعله وما يجب أن نتوقف عنه، فنحن في مجتمعنا خلال العام الماضي، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، مررنا بكثير من القضايا الإعلامية الحادة من حيث نوعيتها، فكنا نسبح وبشكل واضح بين الهجوم والدفاع، هذا الهجوم وذاك الدفاع أربك المشهد الإعلامي؛ لأن المشاركين في وسائل التواصل الاجتماعي لم يكونوا وبدقة على علم بما يجب عليهم فعله وما يجب أن يتوقفوا عنه.

أثبتت كثير من الدراسات أن وسائل التواصل الاجتماعي بجميع أنواعها لم تصل بعد إلى الدرجة التي تمكنها من أن تكون معبرة فعليا وبدرجة معنوية وذات قيمة في تحديد أو قيادة اتجاهات الرأي في المجتمعات، كونها مساحات مفتوحة ويلعب فيها الوعي الفردي دورا بارزا، كما أن جحم المسؤولية فيها منخفض جدا، وتعتمد بشكل كبير على النجومية في تمرير موضوعاتها، وهذا ما يطرح سؤالا مهما عن الحلول الممكنة لفك تعقيدات العلاقة بين التقاليد الإعلامية والإعلام المجتمعي.

ليس هناك حلول إعلامية جاهزة يمكنها تفكيك الأزمة التي خلقتها العلاقة المستحدثة بين التقاليد والحداثة، ولكن الإعلام التقليدي، الذي سيظل معبراً عن المواقف الحكومية والسياسية بشكل دقيق، أن يكثف من بياناته حول مواقفه من القضايا والموضوعات الحكومية عبر متحدثين رسميين لجميع الأجهزة السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها من الأجهزة ذات الارتباط، ومن ثم يقوم الإعلام التقليدي عبر وسائله الرسمية بضخ تلك البيانات، ويعقد مؤتمرات صحافية مستمرة، يتم من خلالها استثمار الكم الهائل من المنتمين إلى وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك نجوم التواصل الاجتماعي، من أجل تشكيل سحابة من الرأي العام تعبر وبشكل دقيق عما يجب على المجتمع دعمه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.