حركتنا الفكرية أمام منعطف تاريخي، يستلهم ذاته من محاوره التقليدية الراسخة، ويهدف إلى عصرنة وتحديث العقل السعودي بموازاة المستجدات التحديثية، التي نعيشها في مختلف المجالات، وعلى كل المحاور، ما سيسهم بشكل كبير في دفع عجلة الحراك الثقافي والإبداعي الوطني..

أن الثقافة في مجملها منظومة فكرية متكاملة، تستنفر الوعي العام وتؤطره ليكون محفزاً إبداعياً شاملاً، يؤسس لنهضة تنويرية تتمسك بجذورها التقليدية من جهة، وتحاور ما يمكن تسميته مشهد «التعايش» الفكري والإنساني المطلوب بشدة، لذا جاء ما أعلنه سمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وزير الثقافة، عن رؤية وتوجهات الوزارة في الحفل الذي أقيم أخيراً في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي في الرياض، وسط حضور واسع من مختلف القطاعات الثقافية والفنية والتراثية في المملكة، إضافة إلى مسؤولين من مختلف دول العالم؛ ليدشن مرحلة جديدة تتماس مع رؤية السعودية 2030؛ وما يعنيه ذلك من إثراء لنمط حياة متفرد، يشجع على التعبير والحوار الثقافي، في إطار يحتفي بهويتنا الوطنية المتميزة، ويحرص عليها مصدرَ فخر واعتزاز.

عبر ثلاثة تطلعات رئيسة وربما تاريخية: من تكريس الثقافة نمط حياة في المجتمع، والثقافة من أجل النمو الاقتصادي، إلى الثقافة من أجل تعزيز مكانة السعودية الدولية.. ومن خلال 27 مبادرة (تنتمي إلى 16 قطاعاً ثقافياً) لتحقيق هذه التطلعات التي تعد أول حزمة من المبادرات.. يمكن القول إننا وضعنا أولى خطوات تعزيز الثقافة بوصفها وعاء حاضنا ومشتركا، ينقل الفكر السعودي بكل روافده الأدبية والفنية والفكرية والتراثية إلى آفاق أوسع؛ لتمكين المشهد الثقافي السعودي بما يعكس حقيقة الماضي العريق للمملكة من ناحية، ومن ناحية أخرى بما يسهم في السعي نحو بناء مستقبل يعتز بالتراث، ويفتح للعالم منافذ جديدة ومختلفة للإبداع والتعبير الثقافي.

وإذا كان من أبرز المبادرات الرئيسة المعلنة: تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، وإنشاء صندوق «نمو» الثقافي، وإطلاق برنامج الابتعاث الثقافي، وتطوير المكتبات العامة، وإقامة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، إلا أن المتأمل في مجمل القطاعات الثقافية يجدها تتعمق في الجذور الأساسية لمخزوننا التقليدي العريق.. من اللغة، والتراث، والكتب والنشر، والموسيقى، والأفلام والعروض المرئية، والفنون الأدائية، والشعر، والفنون البصرية، والمكتبات، والمتاحف، والتراث الطبيعي، والمواقع الثقافية والأثرية، والطعام وفنون الطهي، والأزياء، والمهرجانات والفعاليات، والعمارة والتصميم الداخلي، وكلها تشكل في مجموعها كل المسارات الثقافية التي تنشط فيها المواهب السعودية في مختلف المناطق، وهذا يعني أننا أمام طموح متعدد الاتجاهات، بسقف طموح عالٍ جداً وواعد ومتجدد في الوقت نفسه.

كل هذه الحزم من المبادرات الاستراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة فعلياً، خاصة أنها انطلقت من معقل تاريخي هو مركز الملك عبدالعزيز في الرياض، وكشفت عن رؤية وتوجهات أول وزارة للثقافة في تاريخ المملكة، وتجذر لأسس نهضوية وتنويرية متميزة واستثنائية.

ولهذا؛ فإن حركتنا الفكرية أمام منعطف تاريخي يستلهم ذاته من محاوره التقليدية الراسخة، ويهدف إلى عصرنة وتحديث العقل السعودي بموازاة المستجدات التحديثية التي نعيشها في مختلف المجالات وعلى كل المحاور، في انطلاقة لا شك أنها ستسهم بشكل كبير في دفع عجلة الحراك الثقافي والإبداعي الوطني.

وعليه، فإن إطلاق رؤية وزارة الثقافة، وبهذا الشكل المتعدد والمتنوع، يمثل مفخرة للوطن وعرسا ثقافيا، ويعني أن روافد حركتنا الثقافية تسير في الاتجاه الواعد، وستصبح نمط حياة اجتماعيا، وستسهم في تعزيز الحضور الدولي للمملكة، إضافة إلى كونها رافدا اقتصاديا، والأمم تفاخر بثقافاتها، ولعل الخطوة الجديرة بالاهتمام، وهي إنشاء المسرح الوطني، تؤكد استعادة الذهنية السعودية، وإضافة مهمة جداً للجمع بين الثقافة والتنوير والبعد الإنساني والمعرفي، بكل رقيه وإبداعاته.

سيسجل التاريخ السعودي الحديث، أن رؤية وزارة الثقافة ومبادراتها الخلاقة هي قفزة هائلة وعملاقة، سيتوقف أمامها كثيرون مستقبلاً، بعد إتمام تفعيلها، وسيسجل التاريخ أيضاً أن وطنا يعيش أزهى مبادراته يستحق أن يكون عملاقاً بكل أبنائه ولكل مواطنيه.