عندما تتلون مدرجات الملاعب في مدن المملكة، خاصة في الرياض وجدة، بألوان الأندية الكبرى حضوراً وتفاعلاً، تدرك جيداً أنك أمام نافذة تسويقية خصبة للاستثمار، تتساءل بعدها عن غياب القدرات السعودية من الشباب والشابات عن مشهد التسويق والاستثمار الرياضي؛ بدءا بالمنتجات الرياضية، مروراً بمقار الأندية، وانتهاء برعاية اللاعبين واستثمارهم من خلال التسويق أو بيع العقود.

مع الأسف، معظم القيادات في الأندية وحتى "الإعلام الرياضي" يعتقد أن القطاع الخاص من الواجب عليه أن يستثمر في الرياضة، ويدفع الملايين لعقود رعاية هذا النادي أو ذاك، وكأنه لا التزامات اجتماعية، أو زكاة، أو ضرائب، أو مشروعات خيرية وأخرى اجتماعية.. ومع ذلك نعم يمكن أن يدخل القطاع الخاص في رعاية الأندية وبقوة، عندما يدرك النادي احتياجات القطاع الخاص، ويعلم الأخير أهمية التسويق الرياضي.. وخلال هذه الأيام كسر الحضور الجماهيري في دوري كأس الأمير محمد بن سلمان للمحترفين، حاجز الرقم القياسي في تاريخ المسابقة، بعد أن سجل الحضور 1.677.908 مشجعين ومشجعات في النسخة الحالية، التي تعتبر استثنائية في الحضور من خلال 202 مباراة أقيمت حتى الآن، وذلك وفقاً لإحصاءات موقع الدوري السعودي للمحترفين، التي أُعلِنت الأسبوع الفائت. ومَرَدُّ ذلك - من وجهة نظري - إلى جانبين: السماح بحضور الأسر، وحوافز الحضور من السيارات، وغيرهما.

بعض المهتمين بمجال القطاع الرياضي يدرك آلية أهمية الاستثمار في أندية محددة وبالأرقام، لكن هناك حاجة إلى مأسسة هذا الفهم، من خلال شركات استشارات ووساطة في القطاع، تكون بمنزلة حلقة الوصل المفقودة بين الطرفين، اعتماداً على الجذب والاهتمام الجماهيري الذي تعكسه تلك الأرقام.

لكن يبقى الاستثمار الحقيقي، الذي يخدم جميع الأطراف، ويأخذ بعدين: اقتصاديا وتربويا، حتى وطنيا، وهو الاستثمار في النشء من خلال تبني تعليم أهلي متخصص في القطاع الرياضي، بتأسيس مدارس في التعليم العام، تقدم منهج التعليم الرسمي، وتضاف إليه دروس نظرية وعملية وصحية في الرياضة بأنواعها، كدروس إثرائية، وهذا الأمر يحتاج إلى مساحة أطول من الوقت خلال اليوم الدراسي، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى بيئة تعليمية ذات صبغة رياضية وتجهيزات وملاعب داخلية وخارجية. ولا شك أن مخرجات هذه المدارس يمكن أن تكون نواة مهمة وجاهزة للأندية والمنتخبات، من خلال التبني والتطوير داخلياً أو خارجياً، وهي مرحلة أعتقد أنها ستحقق مواءمة أفضل وأسرع في حال التخصيص الذي يتضمن في جزئياته الاستثمار في اللاعبين والألعاب، وبما يتسق مع برامج رؤية 2030.

لا شك أن التعليم الأهلي المتخصص في قطاعات رياضية، أو حتى تجارية، أو فنية، يمكن أن يكون ذا قيمة عالية من ناحية الاستثمار فيها، إلا أنها بالتأكيد ستحتاج إلى دعم من الجهات الحكومية ذات العلاقة.