الوسطية هي السلوك المرضي عند الله في كل شؤون الحياة، ففي العبادات ما لا يخفى على مسلم من طريقة الإسلام، وفي قول النبي صلى الله عليه وآله: «أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قلّ» مثالٌ لا ينطق عن الهوى، وإن كانت كثرة العبادة أمرًا ممدوحًا في الظاهر، ومحل إعجاب من يجهل وسطية هذا الدين، إلا أنه أمر غير مرغب فيه إذا لم يوزن بالسُّنة!..

كثيرة هي المواقف التي تستفز مشاعر المسلم، فردًا كان أو جماعةً! وكثيرة أيضًا هي ردات الأفعال المتفاوتة بحسبها، فما قد يغضبه أحيانًا قد يبتسم لحدوثه أحيانًا أخرى! وليس عيبًا في إنسانية أحدنا أن يغضب، أو أن يدفع عن نفسه ما يسيء إليها، بل إن ذلك من لوازم الإنسانية، وجبلة البشرية، ولكن قد يتوهم الإنسان أن تلبسه بخلاف ما يعرف أنه الحق المبين مناسب لردع معتدٍ، أو لغلبة خصم وإفحامه، أو لإثبات حق، أو لرفع ظلم، أو لتحصيل منفعة، فيتجاوز حدود الوسطية؛ إما بغلو وإفراط، وإما بجفاء وتفريط، وهو الأمر الذي يكون خلف كل إشكالية، ومصدر كل شر في الدين والدنيا. في الوقت الذي يرفع فيه كثير من الناس شعار الوسطية، نجد أن هذا الادعاء يزدوج في كثير من المتماثلات الشرعية، وليس ذلك إلا لقلة الاطلاع الفقهي، والبعد عن معرفة حال "الأمة" في أوج ازدهارها، وفي حال وجود العلماء والأئمة والحُفاظ الذين إن تكلموا أحاطوا بالمراد، وإن اجتهدوا فما عليهم مستزاد، وقدوتهم محمد - صلى الله عليه وآله - الذي كان مثلًا إنسانيًا للبشرية جمعاء، وقد أمره ربه بقوله: "فاستقم كما أمرت".

والذي أُمِر به هو الوسطية التي انبثقت من الرحمة والحكمة والعدل والتيسير، خلافًا لما يتصوره كثير ممن يتلون هذه الآية، فيضغطون على حروفها إيهامًا وتلويحًا بالتنطع والأخذ بالأشد في كل فقهيات الشريعة، وتجاوز حدود الوسطية في أشد المواضع حاجةً إليها.

في صحيح البخاري عن أنس بن مالك، قال: «كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية»، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى «نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته»، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، «فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء» فأي وسطية هذه التي سلكها رسول الهدى - صلى الله عليه وآله - يقابل فيها الإساءة بالإحسان، والسيئةَ بالتي هي أحسن، والسباب بالابتسامة، وليس ذلك مقتصرًا على مثل هكذا موقف، فالمواقف التي دونتها السيرة أكثر من أن تُحصر في مقال.

إن الوسطية هي السلوك المرضي عند الله في كل شؤون الحياة، ففي العبادات ما لا يخفى على مسلم من طريقة الإسلام، وفي قول النبي صلى الله عليه وآله: "أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قلّ» مثالٌ لا ينطق عن الهوى، وإن كانت كثرة العبادة أمرًا ممدوحًا في الظاهر، ومحل إعجاب من يجهل وسطية هذا الدين، إلا أنه أمر غير مرغب فيه إذا لم يوزن بالسُّنة!

دخل النبي - صلى الله عليه وآله - المسجد ووجد حبلاً ممدودًا، فسأل عنه، فقيل: لفلانة، تقوم من الليل وتمسك به. فغضب - صلى الله عليه وآله - وقال "مه، ليصلّ أحدكم نشاطه". هنا تبرز لنا الوسطية بمعناها الحق في الدين، هي مجاراة قدرات الإنسان العقلية والبدنية والمالية والاجتماعية، والدفع بالتي هي أحسن حين اعتداء الآخرين، "وإذا أصابهم البغي، هم ينتصرون".

وفي قول الله تعالى: "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" تتناول كل تكاليف الشريعة، حتى في المسالك الوعرة التي يسيطر عليها الخروج عن الوسطية من كثير من المنتسبين إليها. وأكثر ما يحزن قلب المؤمن أن يرى الوسطية الذين هم أحق بها، وأهلها في "قفص الاتهام" بالتفريط، وتمييع الدين، بل ربما وصموا بأنهم يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. ويرى من يتجاوز حدود الوسطية بغلو أو تفريط تعطى له المساحة الأكثر، ويغر بالألقاب الفضفاضة، وبالجماهير ذات النظرة السطحية عن معرفة الوسطية، التي جاء بها من أمره الله أن يستقيم على الصراط المستقيم، وهل الصراط المستقيم إلا الوسط بين الغلو والجفاء؟ هذا، والله من وراء القصد.