نيلسون مانديلا المناضل الذي ظل حبيس الزنزانة لما يزيد على ربع قرن، ومع ذلك سطر اسمه كقائد تاريخي في بلاده جنوب أفريقيا. مقالة اليوم تستعرض عدداً من الدروس القيادية لهذه الشخصية ومنها:

أولاً: تحويل الآلام إلى طاقة إيجابية، قضى مانديلا 27 عاماً من حياته سجيناً.. ومع ذلك استطاع تجاوز كل تلك الآلام والجراح لتكون دافعاً إيجابياً له للقضاء على النظام العنصري الذي كان يحكم بلاده حيث كان يركز المشاعر السلبية نحو تحقيق حلمه بأن يرى وطنه متعدد الثقافات وينعم بالحرية، ويروي عن لحظات إطلاق سراحه من السجن بأنه كان غاضباً وناقماً إلا أنه حدث نفسه: "لقد كنت حراً 27 عاماً وأنت في السجن، وأنت الآن حر، لا تجعل نفسك سجيناً"، نعم لم يسجن نفسه في جراح الماضي ومشاعر الكراهية..

ثانياً: إيصال الرؤية إلى الفريق، من النقاط التي تحسب لنيلسون مانديلا براعته في إيصال رؤيته إلى من حوله وإقناعهم بها، ولعل أكبر دليل بعد خروجه من السجن هي قدرته على أن يكسب الشعب الجنوب أفريقي بكافة أعراقة أسودهم وأبيضهم وسواهم تحت قيادته ومبادئه التي كان يدعو إليها، ومن الأمثلة العملية كذلك ما حصل في العام 1985م حيث أجرى عملة جراحية ورجع بعدها للسجن في الحبس الانفرادي الذي كان الطريق لبدء المفاوضات بينه وبين النظام الحاكم. وخشي رفاق مانديلا من أن يبيع تاريخهم النضالي وتضيع جهودهم وكانت معارضتهم شديدة لتلك المفاوضات، ولكن مانديلا استطاع إقناعهم بعد أن تحدث مع كل منهم فرداً فرداً لأنه كان ينظر إلى مستقبل أبعد وهدف أسمى يستحق كل تلك المعاناة.

ثالثاً: حسن الاستماع إلى الآخرين، من الأعراض التي قد تصيب القادة الإعجاب بالنفس والتشبت بالرأي وعدم الاستماع إلى وجهات النظر الأخرى. ومن أهم المهارات التي اكتسبها مانديلا من زعيم القبيلة الذي رباه هو فن الاستماع، فقد كان يحرص على الاستماع إلى من في المجلس ولا يتحدث إلا في النهاية، والجدير بالذكر أن تلك المجالس علمت مانديلا سير الملوك الأفارقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وتجاربهم في القيادة والنضال.

رابعاً: التفاوض مع الأعداء واحتواء الخصوم، كان مانديلا محامياً، وكان يقدم الاستشارات القانونية لسجانيه عندما كان في السجن، وفي شبابه كان يحرص على تعلم ثقافات الجنوب أفريقيين من أصول أوروبية بل وحتى رياضة الركبي المحببة إليهم، كان يؤمن بأنه حتى الأسوأ والأكثر جفاءً يمكن التفاوض معه، وكان يجتمع بقيادات التمييز العنصري القدماء في جنوب أفريقيا، بل وحتى سجانيه بعد أن أصبح رئيساً، وكانت عبارته الشهيرة: "عفا الله عما سلف، لننسى الماضي!".

وأختم بنصيحة مانديلا في القيادة: "ليس أفضل من أن تكون ذلك القائد الذي يقف في الخلف ويضع الآخرين في المقدمة وقت الاحتفال بالانتصار، بينما تقفز لأول الصف وقت الخطر".