وسائل الإعلام المأجور التي ينضوي تحت إدارتها شُذّاذ العرب من إعلاميين عرب لا يضمرون خيراً لبلدانهم فما بالنا بدولنا؛ إعلاميون أسارى للريالات القطرية يلهثون وراءها كالكلاب الضالّة دون وازع من ضمير أو قيم أو دين

في الأمثال العربية يقال: حَرُّ الشمسِ يُلجيءُ إلى مجلسِ سُوء. ويُضرَب عند الرِّضا بالدنيء الحقير، وبالنزول في مكانٍ لا يليق بك. هكذا هي حال بعض الدول والمجتمعات والشبكات الإعلامية التي تأبى إلاّ أن تتسفّل في قاع الكذب والزيف والخديعة؛ غير آبهة بأي رادع أخلاقي أو قِيَمي أو مهني، تحاول أن تستزلّك لوحلها وقاع رذيلتها، فيما أنت لا تغريك - أبداً - مثل هذه المعارك الرخيصة التي تفتقد أدنى درجات النُّبل والأخلاق التي يفترض أن تكون هي مُحدِّدات أي تنافس أو حتّى عِداء.

قميء ومنفّر حدّ الضجر هذا التكالب اللا أخلاقي الذي تمارسه شبكة الجزيرة التي تستمد حضورها وبُعدَها الأنطولوجي عبر الاقتيات على الكذب والتزييف وتلفيق وتحوير القصص حتى تآكلت الثقة بها وبمنتسبيها لدوافع رخيصة أملتها وضاعة السياسة التي تنطلق مُثقَلة بأوحال الأيديولوجيا والشعور بالنقص ومحاولة الظهور بصورة يضيق بها إطارها السياسي وكفاءتها وقدراتها الهزيلة على مستوى الفاعلية والتأثير مما حدا بها للعب أدوار رخيصة لمجرّد لفت الانتباه والإيماء للمراقب بأنها موجودة؛ ولا يهم على أي صيغة يكون هذا الحضور وإن تزنّر بالعار وافتقاد أبجديات الكياسة والتبصُّر والثقة فضلاً عن خلوّها من أي منظومة قيمية وأخلاقية أو حتى إنسانية.

في الوقت الي تُسدِل القمة العربية في تونس أعمالها على بيان موحّد يؤكّد أهمية المكاشفة بالأدواء والعلل التي أصابت جسد دولها؛ وقد اصطبغت كلمات رؤساء الوفود من ملوك وزعماء عرب بنبرة التوجّع والأسف من حالة الوهن وكذلك الإيذاء القادم من الأقربين الذين يفترض أنهم جدار الأمان والثقة لا التدخلات في شؤون الدول وبثّ الفُرقة والانقسام والوقيعة بينها لأطماع وأهداف لم تعد خافية ولا مقبولة أيضاً.

في ظل هذا المشهد القاتم لا يزال نظام الحمدين ومن يمالئه يمارس ذات الصفاقة واللامسؤولية تجاه دول الجوار التي هي حصنه الحصين بعد الله؛ لا الدول التي تُزّين له بهلوانيّاته السياسية ونزقه الفكري الضحل. وبدلاً من مراجعة النفس ما زال يعمه في غيّه السياسي وبشكل يضرّ بشعبه ويشكّل تهديداً وجودياً لوطنه قبل غيره، وما هروب أميره من مؤتمر القمة العربية المنصرمة سوى صورة عن حالة الارتباك وضياع البوصلة لديه في التعاطي مع الشأن السياسي الذي يستلزم حنكة وحكمة ومراعاة لمصلحة بلاده وكذلك الإجماع العربي ومحاولة شقّ الصف استجابة لتأثيرات خارجية وإملاءات لا تليق بدولة تعتز بذاتها وقيمها الدينية ومبادئها وأخلاقيات الجوار.

أيضاً بالأمس شهدنا موقفاً لا يقلّ وضاعة وخسّة ودناءة يرسّخ الموقف التخريبي والعدائي لبلادنا تمثّل في الموقف المخزي الذي وقعت فيه شبكة قناة الخزي المأجورة والصفيقة عبر فضيحة أخلاقية مدويّة بعد أن بثّت فيلماً تحرّض من خلاله الفتيات السعوديات على الهروب تم حذفه لاحقاً لانتهاكه أخلاقيات النشر وباعتباره محتوىً لا يليق ويتعارض مع سياسات النشر وقيمه الدولية المعروفة. الفيلم المسيء رغم سطحيته وغباء طرحه فإنّه وجد عاصفة من الانتقاد ولم تشفع للقناة الوضيعة نغمة الاعتذار الباردة التي أطلقتها على موقعها بأنّ ما نشر يخالف معايير الشبكة التحريرية وقيامها بحذفه مبدية عذرها عن نشر هذا المقطع وتأكيدها لمتابعيها التزامها التام -حسب زعمها- بضوابط وأخلاقيات العمل الصحفي.

لا شك أن ما حدث -ويحدث- هو مأزق أخلاقي تعيشه وسائل الإعلام المأجور التي ينضوي تحت إدارتها شُذّاذ العرب من إعلاميين عرب لا يضمرون خيراً لبلدانهم فما بالنا بدولنا؛ إعلاميون أسارى للريالات القطرية يلهثون وراءها كالكلاب الضالّة دون وازع من ضمير أو قيم أو دين؛ ذِمَم مُشتراة بثمن بخس تمارس النعيق ليل نهار وعلى استعداد لممارسة ذات الأدوار الحقيرة لمن يدفع أكثر.

هي حال مُظلمة للصحافة والإعلام العربيين يعيدنا لحالة اليأس التي أعلنتها الفيلسوفة أونورا أونيل في محاضرة ألقتها في 2002 ضمن سلسلة محاضرات ريث، وهي سلسلة قيّمة سُمّيت باسم أول مدير عام لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بيس ي» تكريماً له؛ حيث ترى أنّ أفكار القرن الثامن عشر الكلاسيكية عن حرية الصحافة لم يعد لها جدوى، وإنها تنتمي إلى زمن أكثر نبلاً. وفي الديمقراطيات الحديثة، تستخدم حرية الصحافة كعباءة لحجب سيطرة الكتل الإعلامية على مناقشات الجمهور» التي تروج لأفكار خاطئة، والتي تتعرّض فيها السمعة للتمزيق أو التبجيل بطريقة انتقائية، وتضيف: حرّية الصحافة ليست جيدة في كل الحالات».

إعلام نظام الحمدين المختطف في المجمل وبتوصيف مخفّف لا يوازي بشاعته هو؛ الكذب مُتخلّقاً في رَحِم الرذيلة.