هذا هو الوجه المشرق لخلاف التّنوع المبني على أساسٍ متينٍ من العلم وبُعْدِ النظر، وتحرّي الصواب، وعليه جاءت المقولةُ السائرةُ المرويّةُ عن الإمام مالك بن أنسٍ رحمه الله تعالى: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ إِلاَّ صَاحِبُ هَذَا القَبْرِ» يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم..

الحجة المطلقة باعتبار ذاتها إنما هي قول الله تعالى، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جرت عادة العلماء من الصحابة فمن بعدهم على أن استنباط العالم من النصِّ، وتفسيرَهُ له، واجتهادَهُ في تنزيله محلّ أخذٍ وردّ، وليس في هذا مساسٌ بجلالة ومكانة من خُولف في اجتهاده، وقد كان فقهاء الصحابة رضي الله عنهم يخالفون الخلفاء الأربعة في بعض فتاواهم، وآرائهم مع اتّفاقهم على مكانتهم العلمية والدينية، وسلك علماء التابعين فمن بعدهم هذا المسلك مع الصحابة مع اعترافهم بأفضلية الصحابة، كما سلكه بعضهم مع نظرائه على تفاوت مراتبهم ومقاماتهم، وتتوّجت عناية الأمة بفتاوى المجتهدين بظهور الأئمة الأربعة المشهورين، ومع اعتراف اللاحق منهم بفضل السابق إلا أن كلّاً منهم خالف غيره حسبما أدّاه اجتهاده إليه، وأطبق تلامذة الأئمة، وأصحابهم، ومحرِّرو مذاهبهم من أتباعهم على التّعاطي مع أقوالهم بمعيار الترجيح والتمحيص، فإذا اقتضى الأمر ذلك رجّحوا بعض أقوال أئمتهم على بعض، وقد يخالفونهم فيما يُفتون به مع الالتزام بتوقيرهم، وتقديمهم والانتماء إلى مذاهبهم، والاعتراف لهم بمقام الإمامة، وبهذا نالت العلوم الإسلامية من الإثراء والتحرير ما لا يخفى على ذي بصيرة، ونتجت عن هذا رحابةٌ في آفاقِ الفكر الإسلامي مكّنت علماء الأمة من أداء مهامهم على اختلاف العصور، وتنوّع البيئات، ولو كانت العقلية العلمية لعلماء المسلمين متحجِّرةً دوّارةً في فَلَكِ أشخاصٍ بأعيانهم ما واكبت الفتوى والدعوة وأسلوب التصنيف المستجدّات، وهذا كله من مستلزمات كون هذه الشريعة خاتمة الشرائع، وامتداد ظلّها إلى قيام الساعة.

هذا هو الوجه المشرق لخلاف التّنوع المبني على أساسٍ متينٍ من العلم وبُعْدِ النظر، وتحرّي الصواب، وعليه جاءت المقولةُ السائرةُ المرويّةُ عن الإمام مالك بن أنسٍ رحمه الله تعالى: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ إِلاَّ صَاحِبُ هَذَا القَبْرِ» يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ومتى رأيت اختلافاً مُفضياً إلى مفسدةٍ دينيةٍ أو دنيويةٍ فهو بمعزلٍ عن هذا النوع، أو أنه قد أُقحمت فيه مآربُ أخرى من حظوظٍ نفسيةٍ، واتجاهاتٍ عصبيةٍ، ومن مظاهر الغلط في تطبيق مبدأ "كل يؤخذ من قوله ويُردُّ إلا النبي صلى الله عليه وسلم" ما يلي:

أولاً: التذرُّعُ بهذه المقولة لردِّ النصوص الشرعية، بأن يتظاهر صاحبُ الردِّ بأنه يردُّ على من يستدلُّ بهذه النصوص، وهو في الحقيقة لا يخالفه في فهم النصوص، وإنما غرضه ردُّ النصِّ نفسه، لكن لا يتجاسر على ذلك، فيلجأ إلى ردِّ قولِ من يستدلُّ به استدلالاً صحيحاً.

ثانياً: الردُّ غير المستند إلى علمٍ، بل يكون نابعاً عن الهوى، ومن علاماته أن يخالف صاحبُهُ ما عليه العلماء، أو يبتكر للاستدلال طريقاً مُغايراً لطرق استدلالهم، ومن علامات هذا أن يُبَيَّنَ الحقُّ للمعترض، وتُقامَ عليه الحجة الساطعة، فينقطع ولا يجد مُتمسّكاً يتشبثُّ به، ومع ذلك يُصرُّ على رفض الحق، وتأخذه العزة بالإثم، وأول من ابتدع هذا من هذه الأمة الخوارج، فقد أعظموا الفرية بتكفير أعيان الصحابة رضوان الله عليهم بما تخيّلوهُ حكماً بغير ما أنزل الله، واستباحوا دماء المسلمين، وابتدعوا بدعهم المذمومة المعروفة، ولم يكن هذا عن علمٍ وبصيرةٍ، والأدهى أنهم لما ناظرهم ابن عباس رضي الله عنهما وأتى بنيان فكرهم من القواعد حتى خرّت سقوفُهُ آثرَ الكثيرُ منهم المكابرة والعناد، وهذا برهانٌ على أن ردّهم لـِمَا ردّوه على المجتمع ليس موزوناً بمعايير الحق.

ثالثاً: تبريرُ ردِّ الشيء بمجرّد كونه مذهباً للخصم، فبعض الناس قد يردُّ حقّاً عند مخالفه استنكافاً من موافقته، وتمادياً في تخطئةِ المخالِف، وقد يُمارسُ بعض المتعلمين هذا مع أقرانه ومنافسيه، فيُقلِّلُ من شأن ما يُنتجون من العلم من تدريسٍ أو تصنيفٍ لا لدليلٍ يملكه على ما يدّعيه، بل حسداً وبغياً.

رابعاً: استخدام هذه القاعدة لردِّ الثوابت الدينية، والمسائل الـمُجمع عليها، والتشكيك فيما كان معلوماً من الدين علماً يقينياً، وهذا من الغلط الفادح؛ فالردُّ إنما يتوجّهُ –بشروطِهِ وضوابطِهِ- إلى اجتهادِ آحادِ الناس، أما ما اتّفقت عليه الأمةُ فلا يسوغُ ردُّهُ، ولا تجوز مخالفته، بل اللازم تلقِّيهِ بالقبول، فالأمةُ لا تجتمعُ على ضلالةٍ، وكما لا يجوز خرقُ الإجماعِ بردِّ الـمُجمعِ عليه كذلك لا ينبغي مخالفة ما تقرّرَ لدى جماهير العلماء وإن شذَّ فيه من لا عبرةَ بشذوذِهِ.

وبهذا يتّضحُ أن لمقولةِ (كُلٌّ يؤخذُ ...) تطبيقها الصحيح الذي مارسه العلماء قديماً وحديثاً، وأن من حَرَفَهَا عن وجهها الصحيح لهوى في نفسه أو جهالة لم تُقبل منه، ولم تكفِ حُجَّةً له على خصمه.