تثير حادثة نيوزيلندا الإرهابية وظهور مسخ بشري من عمق الحضارة الغربية العديد من التساؤلات عن مدى نجاح الحضارة الغربية في ترسيخ القيم الإنسانية في مجتمعاتها العلمانية. كيف يخرج شاب مسيحي أبيض بكل هذا الكم من الحقد والكراهية والإجرام ويقتل الأبرياء وهو الذي عاش في ظل حضارة عصرية لا تحتكم إلى موروثات الماضي في علاقاتها ومصالحها. نعم في عالمنا الإسلامي رأينا مظاهر بين الفينة والفينة لقطعان هنا وهناك ممن يحملون فكر الفناء والدمار ولكن هؤلاء تعرّضوا ويتعرضون لحضانة فكرية وعزلة مجتمعية (خارج النظام والنواميس) في مناطق صراع ودول فاشلة كما هي حال من تلوثوا بفكر تنظيمات "داعش" وأمثالها.

وفي كل الأحوال تعجب أنه (وعلى الرغم من العداء الشديد بين بعض أصحاب العقائد والديانات) إلا أنهم –رغم اختلافهم- يتشاركون في نصوصهم التي يقدسونها ذات القيم السامية التي تعزز مفاهيم مثل الحق والعدل والخير. وتعجب –مع هذا- من حدة خطاب الكراهية والتحريض المتبادل بين رموز بعض اتباع هذه المذاهب والديانات بدل خطاب التقارب والدعوة بالحسنى التي هي في مفاصل كل معتقد تقريباً.

كل الأديان تقريباً تؤسس العلاقات الإنسانية على مبدأ احترام حق الإنسان في الحياة والعيش بكرامة. وفي معظم الأديان نصوص ووصايا تؤكد على أن واجب الإنسان المؤمن بما لديه هو الإبلاغ وتقديم النموذج وكل حسابه يوم الحساب. ومع هذا تتضح صعوبة مهمة المعنيين بتعايش المجتمع الإنساني في تأسيس مفاهيم ثقافية قيمية تمثل وتحترم الحد الأدنى من قواعد التسامح والتعايش. ولعل هذا في جزء منه يفسر بعض أسباب خروج المتعصبين في كل ملة بدعاوى نقاء العرق وصفاء الملّة ثم تراهم يصولون ويجولون قتلاً وسفكاً للدماء.

وهنا يظهر السؤال عن استغلال الأديان لتفجير الصراعات والحروب مع أن معظمها تدور حول الموارد، والسلطة والتوسع. وبحسب بعض المصادر لم تتجاوز نسبة الحروب لأسباب دينية محضة سوى 7 % فقط ولم يتعد ضحاياها 2 % فقط من جميع وفيات الحروب طوال التاريخ.

الخلاصة أنه لا يوجد دين عنيف بطبيعته ولا دين مسالم بطبيعته فالمسألة تعتمد على تفسير (الناس) للنصوص وتنزيل الوقائع بحسب المصالح.

  • قال ومضى:

أنت لا تحاور.. وارتفاع صوتك لا يضير.. فهذا ألم الضمير.