إن التاريخ الشرعي الذي دوّنه القرآن والسنة من أحوال الأمم أو ذكر مواقف وأحداث وغزوات لا يحق بحال من الأحوال التشكيك فيها أو النظر إليها بالعين نفسها التي تنظر في التاريخ السياسي الذي يكتبه أصحابه وفق ما يهوون ويرتضون..

نسمع كثيرًا عن قصص وأحداث وبطولات نسبت لفلان وفلان من الناس، ومجدت أسماء وأحيط بها من التعظيم والتمجيد ما لا يتوافق مع الواقع، ولم يعد لعبارة "التاريخ يكتبه المنتصر" كثير اعتبار، فقد كتب تاريخ بعض الأحداث والوقائع من زور تفاصيلها وحبك بينها وبين أدلة شرعية وأنزلها على تلك الأحداث، وأدخلت في أفكار شباب الأمة وكأنها يقين، وإن لم يكن قد بلغ من النصر الشرعي مبلغاً، ومن ثم تريد تلك "الإمبراطوريات" إن صح التعبير تمرير أهدافها التوسعية والإلحاقية تحت مسمى "الخلافة" وتريد من الأمة غض الطرف عن مساوئ تلك الأنظمة والأفكار -كما هو الشأن في تاريخ الدولة "العثمانية"- والتي صورت بأنها منقذ الأمة وأنها لا قيام للأمة إلا عن طريق الإذعان لها والسير في طريقها، مع أن كثيرًا ما نقل عن تاريخها لا يعدو أن يكون تاريخًا كتبه المنتسبون إليها وتناقلته أيادٍ لا يسلم معها من التزوير وتحسين الصورة، وإخفاء المساوئ، أيضًا وإخفاء ما للآخرين من بطولات وأحداث صنعوا بها أمجادًا للإسلام.

قد يحوجنا الدخول في تفاصيل هذا التاريخ إلى متسع من الوقت، وأيضًا إلى دراسات، وقد كفانا في هذا متخصصون وباحثون بينوا مواقع التزوير والخطأ والخلط، ولكن نحن كمنتسبين للعلم والدعوة نعرف ونعلم جيدًا أن كتب التاريخ بشكل عام لا يؤخذ كل ما هب ودرج فيها، لأن أهل التاريخ لا يعتنون بصحة النقل فضلًا عمن انتسب إليهم وأدخل في التاريخ ما ليس منه، وقد قال زين الدين العراقي رحمه الله في ألفيته:

وليعلم الطالبُ أنَّ السِّيرا

تجمع ما صح وما قد أنكرا

إذا كان في كتب سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم هناك الكثير والكثير من الآثار الموضوعة والضعيفة والنقولات التي لم تستند لإسناد صحيح، فكيف بغيرها من النقولات، ولذلك يتحرى المحققون ما صح ووافق القرآن والسنة.

إن التاريخ الشرعي الذي دونه القرآن والسنة من أحوال الأمم أو ذكر مواقف وأحداث وغزوات لا يحق بحال من الأحوال التشكيك فيها أو النظر إليها بالعين نفسها التي تنظر في التاريخ السياسي الذي يكتبه أصحابه وفق ما يهوون ويرتضون، وأيضًا لا يحق لنا تمرير كل ما يكتب على أنه يقين ومسلم به، وبالتالي يكون تأثيره سلبًا على هذه الأمة باعتبار أن هذا الدين جاء للتشجيع على محاربة الآخرين والتوسع في بلدانهم وقتل من لم يرتض بالإسلام دينًا، مع أن دعوة الإسلام صريحة في اعتبار سياسات غير المسلمين كأنظمة تخصهم لا يكرهون معها على الدخول في الإسلام، وإنه من الطبيعي إذا ما داهمت قوة بسلاحها وعتادها وقوتها بلادًا أخرى من الطبيعي خوفًا أن يظهروا دينًا غير دينهم ويعتنقوا الإسلام كرهًا لا رغبة، وفي هكذا حالة حتى الإسلام يغض عمن أظهر الكفر خوفًا أو كرهًا (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان).

وعودًا إلى ذي بدء فإن من هذا القبيل التاريخ العثماني ما صح منه وما زوّر قائم على ضم الغير والتوسع السياسي المنسوب للشرع، وبينه وبين هذه النسبة مفارقات وحواجز عظيمة يعرفها من سبر ودرس وقرأ عقيدة أولئك القادة الذين أقاموا تلك الدولة، وعلم الإطار الضيق الذي يحاولون إقحام الأمة الإسلامية فيه ويجعلون تاريخهم كمسلّماتٍ لا ينبغي للباحث مناقشتها أو النظر فيها إلا لترويجها وتصديقها وحث شباب الأمة على أن يكونوا وقودًا لإعادة ذلك التاريخ المحاط بهالة من الإقصاء، والهادف إلى توسعة الرقعة السياسية والاقتصادية على حساب الآخرين.