في 29 مايو من العام 1933، وقع الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود اتفاقية الامتياز للتنقيب عن البترول بين حكومة المملكة وشركة ستاندردأويل أوف كاليفورنيا «سوكال»، وخلال خمس سنوات من المسح والتنقيب والحفر، كانت النتائج مُخيبة لكل الآمال والتطلعات، رغم أن كل الدلائل تُشير إلى وجود الزيت والغاز، ولكن «الحلم السعودي» وإن

تأخر كل تلك السنوات الخمس، قفز فجأة في 4 مارس من العام 1938، حيث تدفق البترول من بئر الدمام رقم 7 بكميات كبيرة، لتبدأ حكاية وطن تنتظره مواعيد الفرح.

حكاية البترول في المملكة العربية السعودية، حكاية وطنية مذهلة تستحق أن تُلهم كل الأجيال السعودية على مر العصور، خاصة في فصولها وأحداثها وتفاصيلها الإنسانية التي لم تحظ بالاهتمام والتدوين والشهرة، تماماً كما حدث مع أحد أبطالها الأوائل الذين كتبوا فصولها المهمة وهو قصاص الأثر الشهير خميس بن رمثان العجمي الذي انتدب من الحكومة السعودية في العام 1934 ليكون أول دليل سعودي يُشارك في البحث عن البترول برفقة الجيولوجي الأميركي الشهير ماكس ستاينكي، وتم اكتشاف أول بئر للزيت في المملكة وهو بئر الدمام رقم 7 والذي أطلق عليه الملك عبدالله بن عبدالعزيز «بئر الخير» أثناء احتفال شركة أرامكو بمرور 75 عاماً على إنشائها.

يُعتبر قصاص الأثر السعودي خميس بن رمثان العجمي دليل الصحراء الأشهر على الإطلاق والذي ساهم بذكائه الفطري وحافظته القوية وخبرته بطرق ومواقع صحراء الجزيرة العربية باكتشاف البترول في العديد من المناطق السعودية، وقد أطلق عليه «بوصلة الصحراء التي لا تُخطئ».

ولد خميس بن رمثان العجمي في بداية القرن العشرين في الأحساء شرق المملكة، وتنحدر أصوله من قبيلة العجمان التي اشتهر الكثير من أبنائها بمعرفة دروب ومواقع وموارد المياه لصحراء الجزيرة العربية. وكان يسكن الخيام مع أسرته في صحراء الدهناء، حينما كُلّف بالعمل مرشداً/دليلاً للبعثة الأميركية التي حصلت على امتياز التنقيب عن الزيت في شرق المملكة العربية السعودية.

وقد عمل «ابن رمثان» دليلاً رسماً من قبل الحكومة السعودية لأكثر من 20 عاماً، يجوب الصحارى بحثاً عن النفط الذي أصبح رفيق حياته، وفي العام 1942 أصبح موظفاً رسمياً في شركة أرامكو التي عمل بها كل ما تبقى من حياته القصيرة.

ابن رمثان الذي كان يقطع صحراء الربع الخالي، بل وكل صحراء الجزيرة العربية، دون أن يضيع في دروبها الوعرة أو تُخطئ حاسته السادسة أحد مواقعها، كان بدوياً بسيطاً، تماماً ككل البدو البسطاء الذين تتمحور كل حكاياتهم العفوية حول الصحراء التي كانت تُشبههم، ولكنه كان يمتلك بوصلة فطرية تكادلا تُخطئ وذاكرة قوية لم تستطع كل تلك الكثبان الرملية أن تمحو صورها وتفاصيلها. لقد أذهل ابن رمثان كل من عاصره، وقد وصفه الجيولوجي الأميركي توماس سي بارغر الذي عمل في المملكة 32 عاماً في كتابه الذي صدر مترجماً للعربية في العام 2004 بعنوان «تحت القبة الزرقاء»: «في الصحراء، لا يتوه خميس أبداً، لأنه بالإضافة إلى حاسته السادسة، وهي نوع من البوصلة الدفينة التي لا تُخطئ، كان لديه ذاكرة مدهشة تمكنه من تذكر دغلة كان قد مر بها وهو شاب، أو اتجاه موقع بئر سمع عنه قبل عشر سنوات».

ونظير إسهامات «الدليلة» خميس بن رمثان العجمي، أطلقت شركة أرامكو في العام 1974 اسم «ابن مثان» على أحد حقول النفط المكتشفة في المنطقة الشرقية، وفي العام 2017 أطلق اسم «رمثان» على ناقلة نفط عملاقة وفاءً من شركة أرامكو لهذا الدليل السعودي الشهير الذي كان يجوب الصحارى والقفار بحثاً عن النفط الذي غيّر وجه هذه الوطن الكبير. وقد كتب عن شخصية وإنجازات خميس بن رمثان الكثير من المقالات والتقارير، كما عمل تحول سيرته الذاتية العديد من البرامج والأفلام.

وفي يوم الأحد 21 يونيو من العام 1959، وعن عمر ناهز الخمسين، توفي «ذاكرة الصحراء» خميس بن رمثان العجمي في مستشفى أرامكو في الظهران، بعد صراع مع مرض السرطان.

من كان يصدق بأن ذلك الفتى النحيل الذي كان يسكن في خيمة بسيطة في صحراء الدهناء، سيكون أحد أشهر أدلة الصحراء في التاريخ الحديث ويكون له الفضل الكبير في اكتشاف البترول في المملكة  العربية السعودية، ويتحوّل إلى أسطورة بارزة في «مولد أمة» تكتشف البترول، بل يكتشفها العالم، كل العالم.

بئر رقم 7