من المقاطع التي لا تنسى في فيلم الخيال العلمي المصفوفة (The Matrix) مشهد بطل الفيلم (نيو) وهو يركب مركبة لا يعرف طريقة قيادتها فيطلب من فريقه مساعدته بتحميل مهارة قيادة تلك المركبة في دماغه في وقت قصير كما يتم تحميل الملفات والبرامج في الحواسيب والهواتف الذكية، يحكي الفيلم عن عالم افتراضي صنعته الآلات واستطاعت فيه التحكم بالبشر عبر شرائح مزروعة في الأدمغة، ورغم أن الفيلم يروي عن أحداث في العام 2199م، إلا أن التطورات التقنية الأخيرة تشير إلى أن عالم زرع الشرائح الإلكترونية في أدمغة البشر أصبح واقعاً نعيشه اليوم..

ننطلق إلى العام 2010م حيث تعرض (إيان بورخارت) لحادث تسبب في فقدانه التام للقدرة للتحكم في أصابعه. ورغم حالة الشلل التي أصابته، شارك في تجربة علمية جديدة بزرع شريحة إلكترونية في دماغه وحساسات مرتبطة بساعده لتنقل الأوامر من الدماغ إلى اليد. وفعلاً استطاع إيان أن يحرك أصابعه لدرجة عزف الموسيقى وممارسة الألعاب الإلكترونية والدفع بالبطاقة الائتمانية.

ورغم اطلاعي مسبقاً على تجارب تم تقديمها كمنتجات في السوق من جامعات وشركات في اليابان وأميركا وغيرها مثل البدل الروبوتية للمقاتلين في الجيوش أو الأطراف الروبوتية الذكية لمساعدة المرضى على المشي، إلا أن هذه التجارب كانت لا تحتاج زرع شريحة في الدماغ البشري ويتم التحكم من الدماغ بالبدلة أو الأطراف الروبوتية وليس الأعضاء البشرية كما في هذه التجربة.

وقد يتساءل البعض هنا: كيف يمكن أن نستفيد من هذه التقنية مستقبلاً؟ في الواقع في حال نجحت هذه التقنيات فممكن أن تكون مفيدة في حالات أمراض مثل الزهايمر بحيث تدعم أدمغة المرضى. ومن التطبيقات الممكنة حذف الذكريات المؤلمة للمرضى النفسيين الذين مروا بتجارب صعبة، ويمكن أن تشمل التطبيقات المستقبلية رفع قدرات الدماغ للتعلم أو حتى تحميل اللغات أو المهارات، وقد نصل لمرحلة يستطيع البشر فيها التواصل بين بعضهم البعض باستخدام لغة الصمت دون الحاجة لنطق كلمات أو إرسال نصوص.

ومن المنتظر أن تكون هذه التقنيات في السوق للأغنياء خلال عشرة إلى خمسة عشر عاماً بيد أنه من المتوقع أن تنتشر هذه التقنيات كالهواتف الذكية في أيامنا هذه بحيث تكون في متناول الجميع.

ورغم النظرة السوداوية من البعض ومحاولة ربط هذه التقنيات بصورة قاتمة لمستقبل البشر تحت حكم الآلات والذكاء الاصطناعي، إلا هنالك جوانب مشرقة لا يمكن تجاهلها، وتكفي كلمات (إيان بورخارت) المريض الذي استطاع تحريك أصابعه مجدداً باستخدام الشرائح الإلكترونية في الدماغ بعد أن فقد التحكم بها: "أعتقد أن وجودي ضمن هذه التجربة التقنية المتقدمة في المجال الطبي سيمنح الأمل للكثيرين الذي يعانون من نفس الإصابة التي تعرضت لها، لقد تمكنت من أن أقوم بأشياء لا يستطيع الناس عادة القيام بها بعد التعرض لحوادث مشابهة".