إنّ استدعاء التاريخ هنا لا يهدف إلى تأجيج الصراعات كما يتوهّم البعض، وإنما يؤججها تزييف الحقائق، وهو ما يحدث الآن ونلمسه في تصاريح ولقاءات عبر الفضائيات وأقنية الإعلام المختلفة، الأمر الذي يستلزم معه أن نهُبَّ جميعاً لتصحيح أي مغالطة وتشويه..

في عبارة لمّاحة وفطنة، يشير الكاتب العربي الكبير توفيق الحكيم إلى أنّ الكِتاب الجيّد هو الذي تبدأ متاعبُك معه بعد قراءته؛ في دلالة على ما يثيره من أسئلة وما يشرّعه من فضاءات للفكر الحر المنطلق الذي لا يكتفي بقراءة الأحداث ويقف منها موقف المتلقّي المحايد؛ بل إنها قراءة تدفعك لاستثمار الآليات والأدوات الذهنية من استقراء واستدلال ومراقبة وتفحُّص ودرس ومعاينة. ولعلّي بشيء من التحوير أقول: إنّ الحوار واللقاء الجيدّ هو الذي تبدأ متاعبك معه، فاللقاء التلفزيوني الذي أجراه الإعلامي المثقف والمميز عبدالله المديفر، وكان ضيفه الباحث والمتخصص في التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور سلطان الأصقه، كان لقاءً استثنائياً وعميقاً وثريّاً، قدّم لنا مأدبة تاريخية عامرة بصنوف الوقائع والأحداث والمعلومات التي قد يعتبرها البعض صادمة باعتبارها خارجة عن النسق المألوف والمعتاد والمعلومات الجاهزة التي كان كثير منّا يتلقّفها بلا تمحيص أو بحث أو استقصاء وتثبّت، الأمر الذي كشف فقرنا التاريخي والمعلوماتي عن تاريخنا العربي والإسلامي؛ متناسين أنّ من وعى التاريخ في صدره فقد أضاف أعماراً إلى عمره؛ فالتاريخ كما يقال: لا يعيد نفسه بل يتمّ استدعاؤه لتفسير ألغاز الحاضر وفك رموز المستقبل، فمن وعى قواعد التاريخ تمكّن من قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.

الدكتور سلطان الأصقه؛ وهو باحث وناشط مميز في مواقع التواصل، يبذل جهداً استثنائياً في قراءة المشهد السياسي والتاريخي التركي؛ عُدّته في ذلك دأبه الكبير وإخلاصه للحقيقة وولاؤه لها؛ دون مواقف ذات صبغة أيديولوجية، يستعين في طرحه على المعلومة التاريخية الموثّقة التي لا تحرّكها نوازع هوى أو تحيّز مُسبق، ولعلّ من يشاهد مقاطعه المرئية يدرك اتّكاءه على خلفية تاريخية متجدّدة تبحث وتطارد الحقيقة أينما كانت، ويقدّمها في قالب علمي بسيط يصل للجميع.

الحلقة التي حملت عنواناً عريضاً وجاذباً "قراءة في التاريخ العثماني"، سلّطت الضوء في توقيت مناسب على جذور الدولة التركية وكيف تكوّنت، ومن مؤسسها الحقيقي، وقد أكّد الأصقه في حديثه أنّ استدعاء التاريخ هنا لا يهدف إلى تأجيج الصراعات كما يتوهّم البعض، وإنما يؤججها تزييف الحقائق، وهو ما يحدث الآن ونلمسه في تصاريح ولقاءات عبر الفضائيات وأقنية الإعلام المختلفة الأمر الذي يستلزم معه أن نهُبَّ جميعاً لتصحيح أي مغالطة وتشويه من خلال المعلومة الموثّقة بالأدوات التاريخية التي لا يزايد عليها إلاّ مكابر وغير نزيه ومنطلقاته غير أخلاقية.

وبعيداً عن المنطلق العقدي الذي أشار له الباحث الأصقه للسلاطين الأتراك والدولة التركية عموماً فإنّ الملمح الأبرز الذي جبه به المتابع العادي لا يجب تجاوزه كحديثه عن الخلافة المزعومة، وأنها لم تكن إلا من خيالات بعض المنساقين للأيديولوجيا التركية وأحلامها التوسعية سواء من السذّج الذين يهجسون بالخلافة والأممية من تنظيم الإخوان المسلمين وغيرهم من التيارات التي تتقاطع مع أحلامهم الساذجة، وشروط الخلافة كما أوضح الأصقه لا تتوافر في السلاطين العثمانيين كونهم أعاجم ولا خلافة لأعجمي مبررّاً استنهاض هذا الحلم "الخلافة" من قبل أحد السلاطين لأسباب سياسية لا دينية، وذلك بعد أن جاءت الحرب على الدعوة السلفية في الدولة السعودية الأولى، ورأى السلطان عبدالحميد أنّ هناك خطراً على دولته وإضعافها، إذ قال السلطان: أنا خليفة المسلمين في محاولة منه لتحشيد المسلمين واستمالة عواطف العالم الإسلامي كلّه معه ضدّ الأوروبيين.

هذا التحذير الذي جاء في حديث الباحث سلطان الأصقه جدير بالاستماع وإصاخة الآذان والعقل له، وهو تحذير سبقه إليه المؤرخ العريق والكاتب الصحافي الطليعي الراحل محمد حسين زيدان - رحمه الله - في كتابه المهم، "ذكريات العهود الثلاثة.. العثماني - الشريفي -السعودي"، وقد صدّر كتابه هذا بالذكريات فيقول: الذكريات ليست إلاّ جغرفة للأرض، أرض المدينة، كما أنها مشاهد تاريخية إلى أن يقول: فمن حقّ المدينة عليّ أن أكتب ذكرياتي عمّا شاهدت، وما عرفت، وما رأيت من أحوال وأحداث، وما عرفت من رجال، ولن أقتصر في ذلك على الثناء والإطراء، بل من حق المدينة ألاّ يدفن تاريخ الذين أساؤوا إليها، والذين أجحفوا بها، حتى إنهم قد نزعوا من أنفسهم الحُرمة لأرض الاحترام. وعن الفظاعات والجرائم التي كانت تحدث في المدينة يقول زيدان: نغمض أعيننا عن الذي خرّب الأمن وهو الحاكم، ونضع التبعة على قبائلنا غرب المدينة، في حين أن الحاكم من أيام ملوك الطوائف والمماليك بالذات، ومحمد علي باشا وهو من تولّى الحكم في الحجاز في ظل المماليك وإلى عهد الدولة العثمانية كل هؤلاء فرضوا على قبائلنا بما يمنحون أن يكونوا على مسؤوليات شتّى. ويلفت المؤرخ محمد حسين زيدان أنه حين يكتب هذا فإنه يكتب تاريخاً لا تجريحاً وإذا جزع جيل اليوم فإنه يتعصّب لباطل في حين أنه ينبغي له الآن أن يعتز بأنه من جيل الجامعات والأمن والعمران، "يقصد الحكم السعودي".

المقاربة للتاريخ التركي في برنامج "في الصورة" تكتسب راهنيتها من المواقف التركية المتناقضة التي لا يربطها إطار أيديولجي أو أخلاقي مع الدول العربية خصوصاً فيما يخص ثورات الربيع المزعوم، وما تبعها من تداعيات يؤكد مدى براغماتية المواقف التركية وارتباكها.

الخلاصة أنّ ثمّة حاجة ملحّة لجهود أكبر على مستوى دولنا ومراكز بحوثنا في إيلاء التاريخ الحقيقي الأهمية التي تليق به ونفض الغبار وتشذيب هذا التاريخ من الزيف والادعاء وصونه من المزايدة واستغلاله لأهداف سياسية لا تخفى على كل ذي بصيرة ووعي، ولا شكّ أنّ جهود الباحث د. سلطان الأصقه بحاجة لدعم سيما أنها جهود ذاتية بحتة لا يقف وراءها مركز أو جامعة أو غيرهما في زمن قلّ فيه وندر وجود باحث رصين وجاد وشغوف.