بسم الله الرحمن الرحيم

لم يكن تكليف المسلم باتّباع الطريق المستقيم تكليفاً بالمعسور؛ فقد كانت البعثة المحمدية مشعلَ نورٍ أضاء للناس معالم الهداية، فما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أحقَّ الله به الحق، وأبطلَ به الباطل، فكان كما قال: "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ"، أخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وصححه الألباني، ومن جوامع كلمه العظيمة قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّن، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّن، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ"، أخرجه مسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، فبالهُدَى الذي جاء به من الكتاب والسنة تبيّن للمسلم الحلال الذي يُؤذَن له في تعاطيه، والحرام الذي يُنهى عن ارتكابه، والشبهة التي ينبغي أن يجتنبها، فكان في غنىً عن أن يتخبّط خبطَ العشواء، أو يُقدم على ما لا يعلم حكم الله فيه، وذلك أن من أراد أن يعمل

عملاً معيناً إما أن يكون عالماً، فيقدم عليه على بصيرةٍ من أمره بواسطة ما معه من العلم، وإما أن يكون جاهلاً، فعليه أن يسأل العالم الموثوق به، ويفعل ما أفتاه به من إقدامٍ أو إحجامٍ، وقد كان هدي السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم بإحسانٍ عبر القرون الوقوف عند حدود الشرع، فيُحلّون ما أحلَّ الله تعالى، ويُحرّمون ما حرّمه، ويبتعدون عن الشبهات، وكانوا شديدي التحرِّي في إصابة الحق، وهذا الذي يليق بالمسلم أن يُلزم به نفسه، وأن لا يعوِّدها التهاون في هذا المجال، ومن أنواع التهاون في الحلال والحرام ما يلي:

أولاً: إلباس الممنوعات شرعاً لباس المباحات تمويهاً وتلاعباً، والاحتيال لاستباحة المحرّم بحيلٍ غير منضبطةٍ بالضوابط التي يذكرها من أباح الحيل من العلماء، وأخطر ما يقع فيه هذا: المعاملات المالية التي يُفضي الاسترسال في عدم توقّي شبهاتِها إلى الوقوع في الربا، وأكل أموال الناس بالباطل.

كان هدي السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم بإحسانٍ عبر القرون الوقوف عند حدود الشرع، فيُحلّون ما أحلَّ الله تعالى، ويُحرّمون ما حرّمه، ويبتعدون عن الشبهات، وكانوا شديدي التحرِّي في إصابة الحق

ثانياً: التشهِّي، وتتبُّعُ الرّخص في التعامل مع النصوص، فمن المتعلمين من لا يكاد يصعب عليه فعل ما يحلو له؛ لاستعداده لتطويعِ ما أمكنه من النصوص وفقاً لما يهواه، ويُخادعُ نفسه، فيبدأ البحث وعنده نتيجةٌ مُسبقةٌ إليها ينتهي على كل حال، وإنما يستميت ليجد له أدنى شبهةٍ يُنيطها بها، ولو مرّ به نصٌّ مُحكمٌ يُخالفُ هواهُ لتغاضى عنه، ومن كان هذا دأبهُ فلن يَعْدَمَ شيئاً يُعوِّلُ عليه؛ لأن أبواب التأويل كثيرة، والبعيد منه الذي يسميه العلماء لعباً بالنصوص لا يتعذّر على من خَلَعَ من عنقه ربقة الديانة، وأخلد إلى الأرض، واتّبع هواه.

ثالثاً: التساهل في الاستفتاء، فبعض العوامّ يدرك -مع كونه عامياً- أن العلماء الربانيين المشهود لهم بالديانة، ومتانة العلم لن يُفتوه إلا بالحق، فإذا ثقل عليه الحق وأراد أن يتّبع هواه تظاهر بأنه مُتّبعٌ للشرع واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فاستفتى من ليس في العير ولا في النفير ممن لا تنطبق عليه شروط الإفتاء، فيُلقِّنُهُ ما يُعجبهُ أن يفعله، فيُفتيه به فيتبعه، وربما برّر ذلك المضلِّل تصرُّفه ذلك بأنه من قبيل التيسير وعدم التنفير، مع أنه من التضليل والتغرير.

رابعاً: تتبّع الأقوال الشاذة، وذلك أن كثيراً من المسائل يكون فيها قولٌ شاذٌّ لا يسوغ الأخذ به، وإنما يذكره العلماء للردِّ عليه، وتوهينه، فمن ابتلي باتّباع الشبهات اعتنى بهذه الأقوال الشاذة، فأخذ بها وروّج لها، وأعرض عن النصوص الواضحة، والأقوال الراجحة، هذا إذا كان مُتعلِّماً، أما غير المتعلم فيُمارسُ هذا بواسطة استفتائه للمعروفين بتتبُّعِ الأقوال الشاذة.

خامساً: تبرير الوسائل المحرمة بغاياتٍ يدّعي أنّ فيها مصالح، وهذا من أكثر أنواع الشُّبه التي تتخطّفُ الناس خصوصاً الشباب، ولا يخفى فساد هذه الشبهة؛ وهي من أخطر الشبه على الفرد والمجتمع، ومن خلالها نشأ الفكرُ الخارجيُّ المشؤوم، وما زال البغاة، ودعاة الفتن يتّبعون هذه الشبهة إلى الآن، فبواسطتها يُقدمون على مخالفة وليِّ الأمر، والمشاغبة عليه، وزعزعة الاستقرار، والمساس بالأمن، وإراقة الدماء المعصومة، وإتلاف ممتلكات الناس، وكل هذه الأفعال محرمة شرعاً بنصوصٍ لا تقبل التأويل، ويُبرِّرون هذا بغاياتٍ مُزيّفةٍ، ومآلاتٍ وهميةٍ، ولو ألزموا أنفسهم بالكفِّ عن الحرام البيِّنِ لما أقدموا على هذا.