أصبح دخول معلم اللغة العربية لأحد مطاعم الوجبات السريعة هذه الأيام وكأنه أحد أشهر مشاهد مسرحية "مدرسة المشاغبين" عندما يسأل ممثل زميله مرسي هل كلماته بالإنجليزي. فالعبارات المكتوبة بحروف عربية وهي كلمات أعجمية تثير أعصابه فتبدأ ثورة الغيرة على لسان أطفال العرب وكيف يبدأ بالاعوجاج مع كل وجبة تنفخ بطن هذا الطفل الأجوف الذي لا يعرف مصلحته الغذائية ولا اللغوية.

فبدلاً من إرسال الأبناء إلى مضارب العرب ليستقيم اللسان ها نحن نكون مضارب أعجمية ونرسل الأبناء ليتعلموا اعوجاج اللسان. ومعلم لغة الضاد الذي يكاد ينفجر من الغيظ لا يأتي لهذا المكان وحده وإنما هناك معلم لغة عربية يحضر معه ويستمتع بدرجة الغيظ التي تتدفق بلغة عربية. اختلاف بين الاثنين في قراءة مشهد تلك المطاعم التي بدأت تملأ شوارع المدن السعودية إعلاناتها عن "التشكن" و"الوافلز" و"البان كيك" و"التندر ستيك".

منظومة وجبات تصيب صاحبنا بصداع لغوي وتدفع الآخر للضحك لحد الإشباع. فمن يا ترى على حق؟ وهل يمكن اعتبار كتابة أسماء الوجبات والخدمات المعروفة بلغات عالمية وتكتب بحروف عربية هل نعدها جريمة ثقافية؟ أم أن المجتمع المنفتح لا يمكن أن تمس أصالته ولغته بكلمات دخيلة وتستخدم في مجال ضيق؟ فقد دخلت كلمات مثل تليفزيون ولم تستطع كلمة الرائي أو المرناة إزاحتها، وكذلك "ألاسانسير" أو "اللفت" ولم تغير فينا شيئاً. بل هناك من يرى أن الله سبحانه وتعالى استخدم مفردات أعجمية في القرآن الكريم مثل "اليم" و"استبرق" وبقي بلسان عربي مبين. ويعزز هذا القول إن المولى عز وجل أكد ذلك بقوله: "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ".

هذا الاختلاف تعدد ونعمة وثراء ثقافي ولغوي. ولكن هل الجيل الجديد يملك من المناعة ما تساعده في الحفاظ على استقامة لسانه مع استقامة أخلاقه؟ هناك من يرى أن الضياع بدأ شيئاً فشيئاً، وبالتالي لا بد من حملة تحصين ثقافي ولغوي ليكون لدى الطفل القدرة الانتقائية والانتماء والانفتاح معاً. انفتاح على العالم واعتداد ثقافي بالضبط مثل دفتر التطعيمات ضد الأمراض كشلل الأطفال والتهاب السحايا والحمى القرمزية وغيرها من مسميات أمراض الطب. وهناك دفتر لأمراض أهل الثقافة لحماية الطفل والمجتمع والوطن. معركة لأطفالنا في زمن انفتاح رقمي على جميع ثقافات العالم، فهل نظن أنهم على استعداد لخوض التجربة؟ أم نبقى مثل صاحبنا نريد تمزيق لوحة وجبة "التشكن باربكيو" وصاحبه يضحك عليه. الجميل في الأمر كيف سيكون الحال عندما نكتب الصينية بحروف عربية.