في زمن الضجيج الرقمي، وحتى قبله، يأسرني كثيراً الذين يعملون بصمت، الراكنون إلى الظل، ليس هروباً؛ وإنما تركيز على المخرج، العطاء بجودة، ومنح المنتجات الفرصة للحديث عن ماهيتها، وتقديم الحقائق بلغات الأرقام والمنطق، بعيداً عن الصراخ والحضور الممل، والتأكيد الدائم المبتذل.

إحدى تلك الجهات التي أظنها تعمل بكل توازن، ونجاح تراكمي هادئ، جمعية أعمال للتنمية الأسرية، وهي جمعية غير ربحية ومرخصة، حيث تهدف إلى تمكين الشباب والفتيات لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز ثقافة الإنتاج المحلي، عبر استثمار طاقاتهم ودعم مشروعاتهم متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وذلك من خلال تأهيلهم وتدريبهم وتوظيفهم ومساعدتهم للانطلاق.

الذي لفت انتباهي أكثر، هو تخصص الجمعية في فئات مهمة، أصفها بأنها «شبه منسية»، أو موجودة في (شعارات) بعض المنظمات. تركز «أعمال» على دعم الأيتام والأرامل والمطلقات، وذوي الاحتياجات الخاصة، ومستفيدي الضمان الاجتماعي، وكذلك العاطلون عن العمل.

وفقا لأرقام الجمعية المنشورة عن 2018، فقد كان 60 % من المستفيدين من برامج التأهيل والتدريب نساء، تتراوح أعمارهن بين 30 - 40 عاما، و10 % نساء فوق 40 عاماً، بالإضافة إلى 30 % شباب بين 30 - 40 عاماً، بإجمالي عدد 2070 متدربة ومتدرباً. كما تمت إقامة 65 برنامجاً تدريبياً لمهارات سوق العمل، وتوظيف أكثر من 2268 مرشحاً من قبل الجمعية.

من المشروعات الحديثة للجمعية، والذي استوقفني كثيرًا، مشروع «الزي الموحد»، والذي يهدف إلى إنشاء معمل خياطة متكامل، وتهيئته بالآلات والخامات ومستلزمات الخياطة، وتكوين فريق عمل متميز. واستقطاب مختصين في مجال الخياطة، وتفصيل الأزياء التي تخدم المدارس والمعاهد والشركات والمستشفيات. حيث تركز الاختيار على العنصر النسائي لتفعيل دورها في هذا المجال، كونه يتناسب مع طبيعتها، بحسب رؤية الجمعية، ولخلق فرص وظيفية للعديد منهن، للعمل وسد الاحتياج وتنمية القدرات، والانتقال إلى مستوى معيشي أفضل. والمميز في هذا المشروع أنه يستهدف ذوي الاحتياجات الخاصة (الصم - الإعاقة الحركية)، وأيضاً مستفيدي الضمان الاجتماعي من الأرامل والمطلقات. حيث قدرت مخرجات التدريب خلال العام الواحد بـ281 متدربة.

نحتاج دائماً أن نبرز مثل هذه الجهود، وندعم بالرأي والمال، ونساهم معاً لبناء مجتمع متكافل. يجب أن نعمل حقيقة، بعيداً عن الشعارات، والمشاعر المؤقتة.. والسلام.