الإرهاب سلوك بشري شاذ وقبيح ومثير للكراهية ونافخ في كير الفتن والدمار.. ولا يوجد شخص عاقل يمكن أن يجد فيه عملاً من الممكن أن تصبح له تداعيات إيجابية بحال من الأحوال..

لفترة طويلة قادمة ستظل الجريمة الإرهابية في نيوزيلندا محل اهتمام العالم، خصوصاً بعد أن بدأت خطى البشر كلهم تتساوق بشكل تلقائي نحو موقف جماعي، وهو أن الإرهاب لا دين له ولا عرق.

لقد ظلت المقولة المزمنة لدى أصحاب الأجندة أن الإسلام دين الإرهابيين، وأن المسلمين هم من يرعون الإرهاب، بل إن سفهاءهم تطاولوا على العقيدة الإسلامية نفسها، واصمين إياها بأنها المنبع الذي يغذي الإرهاب، متجاهلين لب الرسالة وقوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). وقد أسهم الإعلام المغرض في تكريس تلك الصورة، مرتكزاً على أحداث مرفوضة ارتكبتها جماعات تتخبأ تحت شعارات إسلامية، متجاهلاً الشجب الإسلامي القوي الذي أبداه المسلمون في كل الأصقاع لتلك الأفعال، ومتغاضياً كذلك عن أعمال إجرامية وإرهابية تتم كل يوم من فئات أخرى لا تنتمي من قريب أو بعيد للإسلام.

وعلى عكس ما يريده أصحاب الفتن، جاءت ردود فعل العالم، بما فيه الدول غير الإسلامية، شاجبة ومنددة بجريمة المسجدين في نيوزيلندا، ووصف أصحاب القرار هذا العمل بأنه إرهابي، في دلالة على اقتراب الشعوب من بعضهم البعض، وتنامي المعرفة الجمعية بأن دين الإسلام براء مما تحاول أن تلصقه به جماعات الأجندة والغرض والكراهية حول العالم.

حتى على الأصعدة الشعبية جاءت ردود الفعل شاجبة للجريمة النكراء، ورافضة لمثل هذه الأساليب التي تنم عن القسوة والكراهية وتجذر روح الإرهاب في قلوب مرتكبيها. وأبدى الملايين من سكان العالم بمختلف عقائدهم وتنوع ثقافاتهم تعاطفهم الكامل مع أسر الضحايا، وشجبهم الصريح والقوي للجريمة الإرهابية.

بل إن الإعلام الدولي نفسه استشعر خطورة مثل هذه الأفعال، حيث لم يعد كافياً نقل الأخبار المروعة للبشرية دون تفاعل حقيقي مع خطورة الجرم، لا سيما أن القناعات تتسع يوماً بعد آخر بأن معظم النار من مستصغر الشرر.

إن عالم اليوم وقد عرف الآن أن الإرهاب بلا هوية، وأنه يضرب من كل اتجاه، أصبح يدرك أهمية الموقف الجماعي المضاد لمثل هذه الأفعال، فلا أحد يكسب من ورائها شيئاً، والخسران فيها نتيجة حتمية طال الزمن أو قصر.

والعالم كله بات يعرف أن الإرهاب سلوك بشري شاذ وقبيح ومثير للكراهية ونافخ في كير الفتن والدمار. ولا يوجد شخص عاقل يمكن أن يجد فيه عملاً من الممكن أن تصبح له تداعيات إيجابية بحال من الأحوال.

والمدهش أنه برغم الأزمات السياسية التي تعيشها الكثير من الدول، والتي تجلت في الاضطرابات بتنوع أشكالها وألوانها.. لم تقف هذه التباينات حجر عثرة أمام التوافق بين القوى الفاعلة كافة في مجتمعاتها، ولا سيما في الغرب، حيث جمع الشجب والاستنكار بين فرقاء المواقف السياسية، وباتوا جميعاً في خندق واحد ضد الإرهاب بشكل غير مسبوق.

لقد أظهر العالم من بين ركام الفاجعة.. تلك الوحدة السياسية والأخلاقية والإنسانية التي سادت بعد الحادثة الأليمة، إذ تعالت الإدانات من كل أركان المعمورة، غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، وتوحدت الصورة الذهنية الرافضة للعملية، والمنددة بكل ما من شأنه المساس بأمن الناس في معاشهم وعقائدهم وسكناهم، وكل ما يتهدد حياتهم ويضر أمنهم ويؤثر على مستقبلهم.

الإرهاب يخسر كل يوم.. حتى وإن بدت الصورة مقلوبة.

والنصر يقترب حثيثاً من الأبواب.. لتتجاوز الإنسانية هذه الظاهرة الدموية القبيحة.. التي تتفطر لها آلاف القلوب بلا معنى أو هدف.