من نتائج هذه الجريمة النكراء تعاطف العالم مع الضحايا، خاصة في نيوزيلندا، حتى اكتشفنا بعدها أن رئيسة الشرطة هناك مسلمة فاخرت بإسلامها بعد الجريمة. وأيضا تُليت آيات الكتاب الحكيم في برلمانها، ونقل أذان الجمعة على الهواء بعدها، وتعاطف النساء مع المسلمات بارتداء الحجاب تعبيراً عن تضامنهن معهن..

فجع العالم بأسره، والإسلامي بخاصة يوم الجمعة قبل الماضي بحادث هزّ أركان المعمورة، وانتفخت له أوداج أهل الغيرة والعقل والإنصاف والعدالة والحرية وغيرهم ممن بقي في قلبه كينونة الإنسان، الإنسان الذي كرمه الله، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

فالحديث عن بشاعة الجريمة، وقبح دوافعها، وعنصرية أسبابها، غني عن الإسهاب فيه، أو بسط المقال عنه، ذلكم أن ردة الفعل – خاصة في البلد المصاب – كانت قوية إلى حد أذهل المراقبين، وأظهر معدن تلك البلاد التي حدثت فيها الفاجعة.

مما لا ريب فيه أن قتل الإنسان، بغض النظر عن دينه، ومعتقده، وحالته، ولونه، وقيمته - جريمة كبرى في دين الإسلام خاصة، وفي كل ملة عامة، جعل الإسلام قتل النفس الواحدة بغير حق، كقتل جميع الإنس، "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" وقتل النفس – أي نفس – بغير حق من أعظم الكبائر، وصلت حد اقترانها بالشرك، وجعله الحبيب - صلى الله عليه وآله - من الموبقات، وأخبر أن أول ما يقضى فيه بين الخلائق يوم القيامة الدماء.

فإذا كان قتل النفس المجرد جريمة كبرى، فكيف إذا كانت هذه النفس مسلمة، مؤمنة، طاهرة، متوضئة، جلست تنتظر الصلاة، فهي في صلاة، في بيت من بيوت الله، التي أمر الله تعالى برفعها ويذكر فيها اسم الله؟ فهي نفس بريئة، تنوعت أعمارها، بين شيخ كبير، وشاب في مقتبل العمر، وطفل لم يبلغ حد تسجيل القلم!

فمن نافلة القول الحديث عن الجريمة بذاتها، وليست هي الأولى، ولن تكون الأخيرة، فإن مما ينبغي التذكير به أن المصاب بمصيبة يجب عليه الصبر والاحتساب.

وبعد ذلك فإن كل مصيبة هي للمؤمن لا عليه، فهي تكفير للسيئة، ورفعة للدرجة، وهي كما أخبر عليه الصلاة والسلام أنه للمؤمن خير إذا صبر. فمن هذه الزاوية أستشف النعم التي منحها الله لنا بهذه المصيبة، ومن ثناياها أسبغ علينا فائضا من كرمه وجوده، مصداقا لقوله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" وقوله: "فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا".

فمن هذا الخير أن القتلى أزهقت أرواحهم في بقعة مباركة، في يوم مبارك، في انتظار فريضة مباركة، فنحتسبهم عند الله شهداء، ونرجوه أن يتقبلهم، وأن يخلف أهليهم خيرا. ويا لها من خاتمة ربما كان أكثرهم يسأل الله مثلها.

ومن ذلك أيضا أن المجرم العنصري الخبيث قد فضح قومه، وأخزاهم، حتى رأت أمه وأخته أنه يستحق القتل جزاء فعلته، ومعلوم أن الأم مهما قست على ابنها فليست تتمنى له الهلاك، بل تسعى إلى التبرير له وتبرئته أو الاعتذار عنه، وطلب العفو له.

كما أن من نتائج هذه الجريمة النكراء تعاطف العالم مع الضحايا، خاصة في نيوزيلندا، حتى اكتشفنا بعدها أن رئيسة الشرطة هناك مسلمة فاخرت بإسلامها بعد الجريمة. وأيضا تُليت آيات الكتاب الحكيم في برلمانها، ونقل أذان الجمعة على الهواء بعدها، وتعاطف النساء مع المسلمات بارتداء الحجاب تعبيراً عن تضامنهن معهن.

وفوق كل ذلك توافد الناس للتعرف على الإسلام، والتقرب من المسلمين، ودخل مئات في الإسلام، وبدأ الدعاة يعرفون العالم بهذا الدين العظيم، دين الرحمة، والتعاطف، والألفة، والتسامح، والمحبة، دين السلام، الذي يبدأ لقاء الناس فيه بالسلام وتختم أعظم فرائضه بالسلام!

فكان من فضل الله علينا أن هيأ هذا العنصري الخبيث ليكون في اعتدائه على المصلين إعلان جديد عن هذا الدين العظيم، والموت كان لا بد لهم منه؛ إذ قال الله تعالى: "قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم"، فحيث كانت نهايتهم أليمة في الظاهر، فإنها حسنة رائعة في الباطن، "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء، عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله"، فإن كلا منا سيموت، والعبرة بالخواتيم، فكيف نأسى على من قتله مبغض له ولدينه، في وقت كان يستعد فيه للقاء ربه في صلاته، فرفعه الله إلى لقائه في جناته، ثقة بوعد الله، لا تأليا عليه.

فأقول متأملا فضل ربي إن من ذلك الفضل أن كان المجرم على غير ملة الإسلام، فلم يستطع أحد أن يتخذ الجريمة عذرا للنيل من الإسلام وأهله، وإنما كانت الكرة عليهم، وصار لزاما أن ينظروا في قوانينهم، وإعلامهم، وربما قلنا مناهجهم كما بدؤوا في ذلك حين كان المجرم في بعض الحوادث مسلما، فلله الحمد من قبل ومن بعد، وعلى الظالم تدور الدوائر، وما الله بغافل عما يعملون. هذا، والله من وراء القصد.