في وسعنا القول: إن الاحتفاء بالكتاب والفرحة به تقليد سنوي عالمي، وفي معرض الرياض الدولي للكتاب للعام 2019 الذي بدأ في 13 مارس وينتهي اليوم 23، وبالرغم من تحديات الترفيه التي تحظى بها المملكة إلا أن الدهشة عامرة في معرض الكتاب، وهذه الدهشة والنشوة التي نحس بهما عند حضور معارض الكتب والتدافع المحموم لشراء الكتب تمليان علي أن أراهن على الكتاب الورقي، وكلما حاولت الدخول إلى عالم الكُتّاب مثل غوته تولستوي ودستوفسكي أصاب بحالة من الفرح الهيستيري، وأحس بالامتنان لهما ولكل من كتب لنا وأسعدنا في هذا العالم الكئيب.

وسبب فرحتي هو أنه كان يتردد في الآونة الأخيرة بأن الكتاب، والصحف الورقية يسيران نحو أجلهما المحتوم في مواجهة النشر الإلكتروني، ومثلما غيّر فرويد وماركس ودارون وجه الحضارة فإن الكتاب والصحف الورقية قاما بتغيير وعي العالم المتمدن لفترات طويلة إلى أن ظهرت ثورة الإنترنت والتي قلبت موازين النشر والوعي ومساحة الحرية المعطاة، حيث تعد "الإنترنت" اليوم إحدى المحطات المهمة في تطور العمل الإعلامي سواء من حيث الشكل أو المضمون فضلاً عن توسيع رقعة الجمهور المخاطب وتجاوز الحدود المكانية، وتتغلب على القيود والممارسات الرقابية التي تتم في بيئة الإعلام التقليدي، حيث أضعف النشر الإلكتروني سيادة وهيمنة الإعلام التقليدي ولم يعد هناك الآن نظرة أحادية، ولا رأي واحد بل تعددت الآراء ووجهات النظر.

وبناء على ذلك أصبحت شبكة الإنترنت هي الوسيلة الاتصالية الأسرع نمواً في التاريخ، وهي بمثابة ثورة غير مسبوقة في مجال وسائل الاتصال والمعلومات بما أتاحته من حرية وسرعة وسهولة المتابعة للحدث على مدار الساعة، وأصبحت وسيلة حرة للتعبير والتفاعل وحشد الرأي العام، والمساهمة في دعم الحريات وتبادل ونقل المعلومات، إذ أصبح الفرد عنصراً مهماً في صناعة المضامين والتحكم فيها ونشرها، وأصبح النشر الإلكتروني يبعث الثقة في نفس أي فرد أنه كاتب وقادر على الكتابة، مما حدا بالغالبية من مستخدمي الإنترنت إلى المساهمة في الكتابة سواء أدبية أو المشاركة في وجهات النظر وغيرها من المساهمات الفكرية، وقد فشل الإعلام التقليدي في مجارات الإعلام الجديد، حيث تعددت الظواهر التي صاحبت الإعلام الجديد منها، كسر احتكار المؤسسات الإعلامية، وظهور طبقة جديدة من الإعلاميين من غير المتخصصين، وظهور منابر جديدة للحوار، وظهور إعلام الجمهور إلى الجمهور، وظهور مضامين ثقافية وإعلامية جديدة، إلا أن الإعلام الجديد ينعكس على الواجبات والالتزامات الأخلاقية الخاصة بجمع ونشر الأخبار والصور في البيئة الإلكترونية، وبينما وفرت تكنولوجيا البيئة الجديدة أدوات عديدة للصحفيين لتعميق المادة الصحفية، وتحديد هوية مصادرها، فإنها أوجدت ثقافة جديدة تفتقر للقواعد وللحدود، وللمرجعية الأخلاقية التي يمكن الاحتكام إليها لتقرير مدى دقة المعلومات وشموليتها، وعلى الرغم من كل هذا الضجيج والتدافع والنشر مازال الكتاب يحتفظ برونقه وبهائه وجمال حضوره.

ويبدو أن الشهية للمس الورق والإحساس به مازالت مفتوحة، والأمر الأكثر مدعاة للفرح هو أن تتاح لنا الفرصة لمشاركة الكُتّاب والقراء الاحتفالية بالكتاب.