مشروعات الرياض هي من أجل بناء مدينة اقتصاد وأعمال ذات مناخ إنساني خلاق.. أي أن هناك رابطة قوية جداً بين جودة المكان وقدرته على التعبير عن الحياة، وبين تصاعد النشاط الاقتصادي وتطوره..

نحن أمام تحول عمراني حقيقي، ليس على مستوى التخطيط وبناء المشروعات المعمارية التقليدية التي اعتدنا عليها بل على مستوى "تجديد المدينة" من خلال إعادة بنائها إنسانياً واقتصادياً، ولعل هذا ما ترمي له المشروعات الكبرى التي دشنها خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - مؤخراً، والتي ستبلغ تكلفتها 86 مليار ريال، وتصب جميعها في فتح مدينة الرياض للنشاطات الإنسانية والاجتماعية وتحويلها من مدينة للسيارات إلى مدينة تخدم الإنسان.

إنه استثمار ضخم في جودة الحياة وبناء الفضاء الحضري الإنساني الخلاق والمبدع الذي يجعل من المدينة فضاء للحياة كما هي فضاء للسكن والعمل. تتكون هذه المشروعات من حديقة الملك سلمان والمسار الرياضي ومنطقة الفنون والرياض الخضراء، والأرقام التي تغطيها هذه المشروعات غير مسبوقة، فالحدائق بمساحة 13 مليوناً و400 ألف متر مربع (13.4 كلم2)، والمسار الرياضي بطول 135 كلم2 وستتم زراعة 7.5 ملايين شجرة لتحويل الرياض إلى حديقة غناء لتكون اسماً على مسمى. تحول نوعي في مفهوم الفضاء العمراني يتطلب أفكاراً جديدة وربما يتطلب خطة عمرانية "ديناميكية" تلاحق التسارع الكبير في التحول العمراني لهذه المدينة العملاقة.

المثير للانتباه هو تزايد الترابط بين مفهوم جودة الحياة والتجديد العمراني في مدينة الرياض، فهذه العلاقة المتصاعدة تحتاج التخلص من المنهج التخطيطي التقليدي القائم، ومجرد ظهور هذه المسارات والمناطق الجديدة المختلفة في طبيعتها العمرانية عن النسيج القائم وأنماط الحياة الجديدة التي ستستحدثها في المدينة يفترض أن يحث على تبني فكر تخطيطي جديد لا أعلم إن كانت المؤسسات القائمة (البلديات وهيئات تطوير المناطق إذا ما استثنينا بالطبع هيئة تطوير مدينة الرياض) قادرة على تحقيقه.

يبدو أن التحدي الذي تفرضه المشروعات الجديدة على العمران السعودي، فكراً وممارسة، سيحدث إشكالية كبيرة عند المدارس التخطيطية التقليدية، وهي المدارس الغالبة والمسيطرة على إنتاج العمران في جميع المدن السعودية. بالنسبة لي مشروعات الرياض هي من أجل بناء مدينة اقتصاد وأعمال ذات مناخ إنساني خلاق. أي أن هناك رابطة قوية جداً بين جودة المكان وقدرته على التعبير عن الحياة وبين تصاعد النشاط الاقتصادي وتطوره. لكن هذه المشروعات، كذلك، توجه أسئلة حادة للنمط العمراني السائد والمؤسسات المسؤولة عن إنتاجه وتشير إلى جدوى بقاء هذه المؤسسات واستمرارها.

مشروعات الرياض الكبرى تعطي رسالة واضحة عن حجم التحول الاجتماعي الكبير الذي تعيشه الرياض والمملكة بشكل عام، ومن المعروف أن كل نمط اجتماعي يحتاج مجالاً عمرانياً يناسبه، وبالتأكيد إن هذه المشروعات التي تقدم النمط الاجتماعي المتحول الذي يعيشه المجتمع السعودي يثير الانتباه إلى عملية التجديد التي ستطال المدن القائمة كون نسيجها العمراني لم يعد مناسباً لمتطلبات الحياة الجديدة. إنه أمر طبيعي يحدث للمدن عبر تاريخها، فلكل عصر عمرانه الذي يناسبه، ولعل هذا يذكرني بما قاله المعماري السويسري المعروف "ليكوربوزييه": إن مدن القرن التاسع عشر لا تناسب القرن العشرين، ويبدو أن المدن السعودية التي تشكلت في فترة ما قبل التحول الاجتماعي الكبير قد لا تناسب حياة ما بعد التحول. ولا أريد أن أقول: إن هذا المنعطف الاجتماعي والعمراني يمثل مشكلة حقيقية فقط بل إنه يكشف الضعف الأكاديمي/ العلمي والترهل المهني في مجال علوم العمارة والعمران في بلادنا رغم كثرة مدارس العمارة وقدمها. إنها إشكالية معرفية عميقة تبين مدى الانفصال بين ما يحدث في الجامعة وما يحدث في الواقع عجزنا عن إعادة ربطه.

لا أريد أن أنظر لمشروعات الرياض الكبرى على أنها مشروعات تعزز من جودة الحياة فقط وتتيح لسكان المدينة مجالات متنوعة من النشاطات الإنسانية والاجتماعية والترفيهية وغيرها، وتجعل العاصمة أكثر جاذبية، بل يجب أن ننظر لهذه المشروعات على أنها تأكيد لحاجة متصاعدة لثقافة مؤسسية عمرانية جديدة. فالتجارب تقول: إن المؤسسات الكبيرة تستطيع أن تنشر ثقافتها داخل المجتمع دون أن تشعر أفراد المجتمع بتدخلها لأنها تملك المقدرة على ذلك، ولعل ما يراه صاحب كتاب "مدن للناس" (جان غيل) أن المدن يفترض أن تخدم الناس وحتى تخدم الناس يفترض أن تكون هناك عوامل ومؤسسات ووعي مجتمعي تجعل من المدينة قادرة على خدمة الناس.