عجيب أن يسلم الإنسان قياده لعالم افتراضي تاركاً عالمه الواقعي المُعاش، وحينما يفيق من غفوته الافتراضية، ويحدق فيمن حوله يجد نفسه غريباً وحيداً مبتور الأوتار الوجدانية، فهذا العالم لم يعد عالمه، وهؤلاء الأشباح من خلف الجدر هم ناسه وأهله وأصدقاؤه..

إن من الطبيعة الإنسانية، ومن الفطرة الإنسانية التي فطرنا الله عليها هي سمة الحرية، وعشق السيادة والتفرد وخاصة الشخصية العربية، ذلك لأن العربي في تكوينه يمقت الاستعباد، ويجنح للانطلاق في الفضاءات الرحبة التي منحته إياها الطبيعة من دون قيود، حتى لقب بـ (سيد الصحرء).

لكن ما نراه اليوم هو قلب ذلك الميزان الفطري، لنجد تحكم الآلة في الفرد منا حتى أصبحت تقوده وتسيطر عليه ولا يقودها. تحبسه بين أغلالها حيث لا فكاك! وبناء على كل ذلك لا بد أن نتحسس الخطى، حول مدى هذه الظاهرة ومدى التأثير وهذا الانقلاب في الطبيعة العربية.

لقد تربى الإنسان العربي منذ شهقته الأولى على نبذ العبودية واحتقارها، فهو أول من أسس للفضاء الحر، وهو من وضع أولى لبنات الحرية، وهو من تسيد على طبيعة قاهرة فذللها وطوعها بين أنامله حتى بات تأثير الإنسان على البيئة أكثر دقة من أثر البيئة على الإنسان في علوم الأنطلوجيا في هذه المنطقة المتفردة بهذه الخاصية؛ ولذا كانت صعبة المنال على الغزاة والمستعمرين، وما أقسى استعمار الذات وما أبشعه؛ فللاستعمار طرائق، وله مسالك ومدارك، فلن تسلم الشاة مادام مخلب الذئب بارزاً، ولن ينتهي التفكير في الاختراق، للتأثير وللنيل إلى ما يصبو له العالم من الشخصية العربية التي باتت تشكل تحدياً واضحاً له، وفي الوقت ذاته لن يمل من تحديث أساليبه التي نأخذها نحن بحسن النية ولأننا أقوام تربت على مبدأ الشرف، ونبذ الغدر، فبدونا كالبلهاء الذين يفرحون بقطعة الحلوى!

لقد استحدث بيننا ما يطلق عليها وسائل التواصل الاجتماعي. فدعونا نتأمل الاسم أولاً، ولماذا اتخذت اسمها من سمة الصلة والتواصل؟!

أمر غريب يدعو للدهشة حين تُخترع برامج بخاصية عربية (التواصل الاجتماعي) فإذا ما تأملنا هذا المصطلح لوجدناه يتخذ من الصلة والتواصل وظيفة ظاهرية له، ذلك لأن الشخصية العربية محمومة بالتجمع وبالمؤانسة وبالتواصل وتكره العزلة والانطواء، ومن هنا كان المدخل لهذه الشخصية والغوص بداخلها والعبث بمقتنياتها، من إرث، وقيم، وأخلاق، وكل ما هو مكون لهذه الشخصية.

قد يقول قائل: إنها آلة الحس الجمعي، ولها منافع لا تعد ولا تحصى، وأنا أتفق مع هذا القول، بل إنني قد أكون من أول المستفيدين، إلا أننا لا نلتقط الحب من بين التبن، بل نسفه سفاً، حبه بتبنه، وحينها نسمع حشرجة الأنفس في الحناجر وها هي قد بدأت.

أولها تلك القطيعة الروحية الداخلية بين الذوات بالرغم من الوجود الزمكاني، حتى بات الفرد يستغني عن أقرب الناس إليه لأن في يده هاتفه المنغمس به! ففتر الحب بين الذوات، وقلت الحميمية والاحتياج والاشتياق، واستغنى كل بقطعة حديدية في يده يقال بها عالم افتراضي!

عجيب أن يسلم الإنسان قياده لعالم افتراضي تاركاً عالمه الواقعي المُعاش، وحينما يفيق من غفوته الافتراضية ويحدق فيمن حوله يجد نفسه غريبا وحيدا مبتور الأوتار الوجدانية، فهذا العالم لم يعد عالمه، وهؤلاء الأشباح من خلف الجدر هم ناسه وأهله وأصدقاؤه في عبثية مستفيضة تحتاج إلى دراسة فلسفية عميقة، تنبئنا عن إنسان القرن الحادي والعشرين الذي بتنا نجهله!

أليس هو عالم افتراض؟ لم يخدعنا أحد. إنه عالم خلف الجُدر يرانا ولا نراه، يتجسس علينا ولا نعلم عنه شيئا، يتفحصنا بين الفينة والفينة ولا نتفحصه، ثم يُعمل وظيفته لتفتيت الذات من الداخل وتفتيت القيم والعلاقات الأسرية، فيجرده ممن حوله حتى يستأسر به أسير عبداً له دون غيره، فقد بات هو الصديق الودود المسلي المجاوب والونيس وكل ما تحتاجه الذات من دفء - هو دفء زائف لا محالة - حتى أثبتت الدراسات أن الإنسان يصاب بالتوحد معه كما في أمراض التوحد وأمراض الاكتئاب المؤدي للفشل في كل شيء وهي أولى لبنات هدم المجتمعات من الداخل وإحدى وسائل حروب الجيل الخامس.

وثاني ما تركته لنا هذه الوسائل هو تفتيت القيم وإفسادها، والقيمة هي أغلى ما تمتلكه الشعوب وأنفس ما يقتنيه الإنسان العربي؛ فنرى الفضائح وهتك الأعراض والعلاقات المشبوهة والسب والقذف وكل موبقات الحياة.

لقد أفزعني ذلك الاستفتاء على إحدى القنوات والذي نتج عنه أن 92 % من حالات الطلاق نتاج التواصل الاجتماعي، وكذلك العزوف عن الزواج من الجنسين، إضافة إلى إنشاء الملايين من (القروبات) التي ينتمي لها الفرد دون معرفة لما وراءها، وأهدافها، وفضاءات تفكيرها، وأفق أمانيها، وحتما تترك الأثر المراد لمن هم وراء بنائها وتواجدها، حتى بات الأطفال يُنشؤون تلك (القروبات) ولا يعلم ذووهم ما يدار بدواخلها.

حقيقة الأمر أننا من أساء استخدام هذه الآلة، ونحن من سلم رقابنا لها، بالرغم من منافعها الجمة، التي باتت ملزمة للتعامل معها. وكما أسلفنا أنه يجب الحفاظ على القيم والوازع الديني فهما الأداة المثلى لتصحيح هذا المسار وليس الجنوح عنه أو إلغاؤه. لقد كان عيباً حينما لا ينصت الرجل في المجلس لمحدثيه والانتباه لهم واحترام مجلسهم، وكان عيباً في الماضي القريب الانفراد بجهاز التليفون أو التحدث بصوت خافت ولا يُسمح لنا بذلك، لكننا حينما ندخل المجالس أو المحافل أو حتى تجمع العائلة نجد الكل يخبئ وجهه في هاتفه منفصلاً، منعزلاً عن عالمه، فاندثرت القيم والعادات، وهذا هو المطلوب من هدم الشخصية العربية للطامحين نحو العولمة والسباحة في الفضاء العالمي حتى وإن كان افتراضياً، فهل من عقل رشيد؟!