إن المصحّحين لأحاديث صحيح البخاري أدرى بالعصمةِ وتفاصيلِها، ولا يُثبتونها للبخاري ولا لغيره من العلماء، وإنما حكموا بأصحيَّةِ كتابهِ بناءً على استيفاءِ أحاديثهِ لأوفى معايير القبول، وقد فَحَصَهُ المعنيّون بهذا، ووقفوا على جليَّةِ أمره، فوضعوه في مرتبتهِ المعروفة..

لم تكن مكانة صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى محلَّ تشكُّكٍ عند العلماء، وتقرّر قولهم عنه: إنه أصحّ الكتب المصنفة، ولم يُخصُّوهُ بهذه التزكية الكبيرة مجازفةً، ولا رقَّوْهُ إلى هذه المرتبة السنيَّةِ مجاملةً، كما أنها لم تنشأ عن تصفُّحٍ سريعٍ، ولا عن قراءةٍ مجتزأةٍ، بل كان عن تتبعٍ وتدقيقٍ واستقراءٍ وتحقيقٍ، وما كان جهابذة الحفّاظ الذين قدّموه على ممرِّ القرون لتتواتر كلمتهم على تقديمه لو لم يستحق التقديم، ومن ينظر في الكتب المصنفة في مختلف العلوم الشرعية لا يراوده أدنى شكٍّ في أن نظرة العلماء لصحيح البخاري منذ تأليفه إلى اليوم متَّسمةٌ بالإجلال والتقديم، وتلقّي أحاديثه بالقبول، وهذا من الثوابتِ المنهجيةِ التي استقرّتْ، ومن تطاول ليصادمها، ويشكِّكَ فيها فإنما حَكَمَ على نفسه بالجهل، وَوَصَمَ سيرته بمعرّةِ الشذوذ، وقضى على أيةِ فرصةٍ للحصول على موطئ قدمٍ في الاعتبارِ بآرائهِ، ومع أن مثلَ هذه الأفكار تُولدُ ميّتةً، ومن حقّها أن لا تُنفخ فيها الروح، وأن لا تُرَوّجَ بذكرها إلا أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعلتها تجوبُ الآفاق، فكان لزاماً علينا التّصدّي لها، وكشف عوار شبهاتها، ولي مع المتطاولين المتجاوزين وقفات:

الأولى: تتعلّق بما يردّده بعضهم من: (أن البخاري غير معصوم فكتابه مشكوك فيه)، ولا ينقضي العجب من التّشدّق بهذا الاستنتاج، وكأنّ المتشدّق به حقَّقَ سبقاً علمياً، واكتشافاً معرفيّاً لا يُضاهى، أفظنَّ من يحتجُّ بهذا أن العلماء خَفِيَ عليهم عدمُ عصمةِ البخاري، وانطلى عليهم أمره، فتوهّموا عصمته، وحكموا بأصحيَّةِ كتابهِ اعتماداً على هذا الوهم؟! إن المصحّحين لأحاديث صحيح البخاري أدرى بالعصمةِ وتفاصيلِها، ولا يُثبتونها للبخاري ولا لغيره من العلماء، وإنما حكموا بأصحيَّةِ كتابهِ بناءً على استيفاءِ أحاديثهِ لأوفى معايير القبول، وقد فَحَصَهُ المعنيّون بهذا، ووقفوا على جليَّةِ أمره، فوضعوه في مرتبتهِ المعروفة، فكانت صحةُ أحاديثهِ مُستفادةً من حكمِ البخاري لها بالصِّحةِ، وهو من أهمِّ نُقّادِ المحدثين بلا مُدافعة، كما أنها مستفادةٌ من تلقّي الأمة لهذا الكتاب بالقبول، وقد نقل ابنُ الصّلاحِ عن الحافظِ السِّجْزِي أنه قال: "أجمَعَ أهل العلم - الفقهاء وغيرهم -على أن رجلاً لو حَلَفَ بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صحَّ عنه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله لا شكّ فيه، أنه لا يحنثُ، والمرأة بحالها في حِبَالته"، ولإمام الحرمين أبي المعالي الجويني أحد أعيان فقهاء الشافعية كلامٌ مثلُ هذا يُثبتُ فيه عدم وقوع طلاق هذا الحالف.

الثانية: التشبُّثُ بانتقادِ بعضِ الحفّاظِ لبعضِ أحاديثِ الصحيح، وتلك قضيةٌ علميةٌ بحتةٌ أوسعها أهلُ الحديث بحثاً بشكل مُفصّل، وأجلُّ من انتقدَ بعض أحاديث صحيح البخاري هو الحافظ الدارقطني، وبحثُهُ فيها مسألةٌ جزئيةٌ لا يلزم أن يكون الصواب فيها مع المنتقد، ولم يجعله العلماء مانعاً من الاحتجاجِ بحديثِ صحيحِ البخاري من غير مُطالبةِ من عزا الحديثَ إليهِ بالبحث في صحّته اكتفاءً بوروده في هذا الصحيح، بل إن الدارقطني نفسه في سننه يحتج على صحّةِ الحديث بتخريج البخاري له، فيقولُ مثلاً: "حديثٌ صحيحٌ أخرجه البخاري".

الثالثة: هل يجرؤ هذا المتطاولُ بعد تشكُّكِهِ في الصحيح على البحث العلمي والكلام في تفاصيل الشرعيات في الوعظ والإرشاد، والاستدلال على ما يقول بالسنة؟ فإن كان يأخذ تفاصيل الشريعة من السنة التي بينت مجملات القرآن، فما مستنده في صحة السنة التي يستدلُّ بها؟ هل سمعها من معصومٍ؟ أو هل حَكَمَ بصحّتها محدّثٌ معصومٌ؟ وإن كان لا يأخذ التفاصيل من السنة، فعلى أيِّ أساسٍ يصلّي ويصوم ويزكي إلخ، وكيف له أن يحتج على مناقِشهِ في المسائل الشرعية بحديثٍ من الأحاديث إذا تجرّأ على أصحِّ الكتب المصنفة في الحديث وتلاعَبَ به؟

الرابعة: البخاري من علية حفاظ الحديث المتفق على إمامتهم وجلالتهم، ومدار الكلام في أمثاله ما نُقل عن النّقاد من معاصريه فمن بعدهم ممن تتبّعوا أحوال الرجال، ودرسوا سِيَرَهُمْ، واستقصوا في التنقيب عن ذلك، وقد أطبق من هذا شأنه على إمامته وجلالته، وهذا علمٌ مرجعه النقل، وليس هذا مما يخضع لاجتهاد المتأخرين أصلاً، ولو كان المتكلم فيه عالماً متخصّصاً فما بالكم إذا لم يكن لا في العير ولا في النفير، وسيبقى البخاري -كما وصفه الحافظ ابن حجر الذي هو من أكثر العلماء معرفةً بأحوال البخاري وصحيحه-: (جبل الحفظ وإمام الدنيا)، والمتطاول على هذا الجبل:

كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيُوهِنَهَا

فَلَمْ يَضِرْهَا، وَأَوْهى قَرْنَهُ الوَعِلُ