أتفق مع بعض الآراء التي تطالب وزارة الثقافة بتوفير سوق دائم متخصص للكتب الجديدة والمستعملة، على غرار دول أخرى، يكون متنفساً وإشعاعاً دائماً، ويمثل في الوقت نفسه معرضاً تثقيفياً متكاملاً، يتم استثماره اقتصادياً لإتاحة مزيد من فرص العمل المتخصصة للشباب والفتيات..

تحت عنوان "الكتاب بوابة المستقبل"، دشنت المملكة معرض الرياض الدولي للكتاب 2019م في إطلالته الجديدة من بوابة مشروعات رؤية المملكة 2030 الاستراتيجية، برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسط مشاركة أكثر من 900 دار نشر عالمية وعربية ومحلية من أكثر من 30 دولة؛ ليكون منبراً ثقافياً سعودياً، يظهر للعالم مخزون المملكة الثقافي والفكري، وليكون إحدى أدوات قوتنا الناعمة، التي تتجذّر في أقوى رسالة للعالم، على أن هذه البلاد تملك ما هو أقوى من النفط والاقتصاد.. العقل والفكر ومعهما تجربة إنسانية ترتبط إشعاعاتها بتاريخ طويل ومتعدد الأوجه.

الشعار العام للمعرض ـ في رأيي ـ لم يكن اعتباطاً أو مصادفة، ولكنه وإن كان يعني نظرة متفائلة للمستقبل عبر إحدى أدوات الحركة الفكرية وهو الكتاب، ولكنه يمثل أحد أوجه الإيمان الشديد بحقيقة أن الكتاب في عمومه هو الترجمة الفعلية لمجمل الإبداع العقلي والثقافي المنفتح على كل التيارات والحضارات، كإشعاع ثقافي يلخص التجربة الإنسانية في عمومها، ويبرز القدرة السعودية على مقارعة شتى الأفكار والفلسفات.

وإذا كانت الشقيقة البحرين ضيف شرف هذه التظاهرة بـ 13 فعالية متنوعة، باعتبارها عمقاً تاريخياً وجغرافياً للمملكة، كجزء من حضارتنا الخليجية المعاصرة، بما تعزز عمق العلاقات الأخوية بين الشقيقتين من جهة، ومن جهة أخرى ما يؤكد أهمية الروابط الثقافية، وتعزيز التبادل والتكامل الثقافي والفكري بين مثقفيهما ومفكريهما.

وبشكل عام، فإن احتضان المعرض قرابة 200 فعالية ثقافية، و62 ندوة ومحاضرة، و13 جلسة ضمن برامج المجلس الثقافي، إضافة إلى أربعة عروض مسرحية للكبار، وثمانية أركان أساسية للطفل، و18 فيلماً من الأفلام السعودية القصيرة خصوصاً.. يمكن أن تكون رافداً مهماً ومتنوعاً يشكل أبعاد المضمون العام للمعرض، الذي يستحق الاحتفاء بجدارة، ويفتح الباب عريضاً للوصول إلى ما يمكن اعتباره تبادل الثقافات والحضارات كوسيلة للتقريب بين الشعوب والعقول.

ولا ننسى أيضاً كثيرا من الفعاليات المستحدثة والمبادرات الثقافية، التي تعيد إلى وجه حضارتنا العربية الاعتبار بشكل جدي، ومن ضمنها "جماليات حرف"، التي تهتم بالخط العربي بمشاركة عدد من الفنانين والفنانات، وكذلك فعالية "ترانيم ريشة"، التي تهدف إلى صقل قدرات محبي الفن التشكيلي، وتطوير قدراتهم بمساعدة عدد من الفنانين والفنانات في الفن التشكيلي، وأيضاً مبادرة "رواق المعرفة" التي تشرح تاريخ العلوم والمعرفة بشكل جذاب وشيق؛ بهدف تعريف الزوار بأهم العلوم التي تبني معرفة الإنسان، ومبادرة "مجموعة القراءات"، التي تستعرض أهم الكتب وتناقشها بمشاركة تسعة أندية ثقافية.. لنجد أنفسنا أمام أكبر حركة توعية راقية وتنوير فكري يمكن البناء عليها، من خلال أوعية أخرى متجددة ومعاصرة، وبمثل ما تشبع نهم الزوار، فإنها أيضاً تعيد اكتشاف أحد أهم معالم حضارتنا العريقة وثقافتنا التقليدية.

لن أتحدث عن التسهيلات الهائلة للزائرين من خلال مسارات ترددية وتسجيل إلكتروني عبر تطبيق المعرض، الأمر الذي يوفر الوصول في أقل مدة وأسهل طريقة، أو الخدمات الشاملة لشرائح المجتمع كافة، بمن في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة، أو المتجر الإلكتروني الذي يتيح إيصال الكتاب المختار إلى من يطلبه في مختلف مناطق المملكة، لكن أعتقد أن ما يميز معرض هذا العام هو تخصيص جناح للمؤلفين السعوديين الأفراد، الذين لا توجد لديهم دور نشر تتبنى مؤلفاتهم، تشجيعاً من وزارة الإعلام لهم، حيث من خلاله يتمكنون من عرض مؤلفاتهم وتسويقها وتحصيل قيمتها النقدية؛ حتى تتيح لهم المشاركة في هذا المحفل الثقافي الكبير، وبلغ عدد المؤلفين المسجلين أكثر من 150 مؤلفاً.

ودعوني أستغل هذا الحدث الكبير، لأتفق مع بعض الآراء التي تطالب وزارة الثقافة بتوفير سوق دائم متخصص للكتب الجديدة والمستعملة، على غرار دول أخرى، يكون متنفساً وإشعاعاً دائماً، ويمثل في الوقت نفسه معرضاً تثقيفياً متكاملاً، يتم استثماره اقتصادياً لإتاحة مزيد من فرص العمل المتخصصة للشباب والفتيات، ولنبدأ من الرياض، على أن تعمم الفكرة في غالبية المناطق ومدنها الرئيسة.

أعتقد أنها فكرة جديرة بالتشجيع والاهتمام، تزيد من رسوخنا الثقافي بكل امتداداته وتشعباته، وترسخ لإطار متنوع في مجمل حركتنا الفكرية.

في الختام، أعود وأكرر المطلب الذي طالب به عدد من المفكرين حول إقامة معرض للكتاب المحلي دائم في العاصمة.. إنه مطلب نناشد فيه أمير الثقافة الشجاع الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز وسمو وزير الثقافة.