المحطة المراد الوصول إليها لكل منطقة يجب أن تكون تنافسية وليست تكرارية، وأقصد هنا أن الهدف ليس الإدارة المحلية، بل التنمية ومن الحكمة أن تكون مناطق المملكة ذات رؤى تنموية تكاملية..

قبل سويعات من كتابة المقال كنت مشاركاً في ورشة عمل حول "رؤية المنطقة الشرقية" تنظمها هيئة تطوير المنطقة، ويبدو لي أن هذا الحراك المحلي المناطقي أصبح ضرورياً في ظل رؤية 2030 الوطنية الشمولية التي تحدد المحطة التي تريد أن تصل لها المملكة خلال العشر سنوات القادمة. على أن هذه الرؤية الوطنية بحجمها واتساعها تتطلب التوجه إلى تعزيز الإدارة المحلية الخلاقة، ونحن لسنا ببعيدين عن قرارات وزير الشؤون البلدية والقروية التي عزز فيها صلاحيات أمناء المناطق ونقل جزء من صلاحياته لهم. الإدارة المحلية في الوقت الراهن ليست في أحسن حالاتها فنحن أمام جهات محلية تتنازع القرارات التنموية بشكل أو بآخر فمن مجالس المناطق إلى الأمانات ثم هيئات تطوير المناطق التي صدر قرار مجلس الوزراء قبل عام بتنظيمها (475 وتاريخ 7 - 9 - 1439) إضافة للمجلس البلدي وفروع الوزارات التي ترجع إلى جهاتها المركزية. في واقع الأمر لا يمكن أن تتحق التنمية بقرارات تتنازعها جهات عدة.

في ورشة العمل طرحت أمثلة مهمة للإدارة المحلية الناجحة في "نيوساوث ويلز" في أستراليا و"دبي" وهي أمثلة مرتبطة برؤية محلية تنافسية حتى العام 2040 تقريباً. المحطة المراد الوصول لها لكل منطقة يجب أن تكون تنافسية وليست تكرارية وأقصد هنا أن الهدف ليس الإدارة المحلية بل التنمية ومن الحكمة أن تكون مناطق المملكة ذات رؤى تنموية تكاملية مبنية على استغلال الفرص والموارد (البشرية والطبيعية) في كل منطقة ومن المفترض أن يكون شكل الإدارة المحلية داعماً لهذا التوجه التنموي الذي تتطلع له الرؤية الوطنية. أتصور أن هذا الزخم المتصاعد للتركيز على التنمية المحلية يجب أن يواكبه تعديل جذري في النمط الإداري الحالي شبه المشتت حتى لو من خلال تحول هيئة تطوير كل منطقة إلى مجلس تنسيقي يجمع كل متخذي القرار على المستوى المحلي.

لكل عصر أدواته ورجاله، ولا يمكن أن يكون ما كان مناسباً لنا قبل عقود أن يستمر مناسباً إلى الأبد وبالتالي تجديد الأدوات ومن يدير هذه الأدوات أمر أساسي لنجاح أي رؤية. مسألة تجديد الأدوات مهمة جدا لمواكبة التحولات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية وهذا يتطلب تشخيص الأدوات المطلوب تغييرها بناءً على المحطة (الرؤية) المراد الوصول لها. في ورشة رؤية المنطقة الشرقية شركة عالمية هي من أدار الورشة بينما الجامعات المحلية وهي جامعات مهمة مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل لم يكن لهم دور أساسي في الورشة أكثر من الاستماع.  بالطبع ليس لدي أي تحفظ على الاستعانة باستشاريين ذوي خبرة لكن تهميش الخبرات المحلية هو جزء من أزمة "الإدارية المحلية" التي نعاني منها وتغيير الأدوات ليس مسألة نظرية بل هو نوع من الممارسة أي أن التحول والتغيير يحدث فقط بالممارسة.

من النتائج المهمة التي خرجت بها من الورشة أن المنطقة الشرقية يوجد بها ثلثا براءات الاختراع في المملكة لكن هذه الاختراعات لم تتحول إلى مشروعات اقتصادية، وأرى أن هذه المشكلة نابعة من ضعف الإدارة التنموية المحلية، ونقص التركيز على الميزات التنافسية التي تتمتع بها كل منطقة.  كما أن الدراسة أشارت إلى ضعف التركيز على التعليم ما قبل المدرسة الذي يشكل 20 % فقط وهذه نسبة منخفضة مقارنة بدول العشرين التي يقترب أغلبها من النسبة الكاملة.  هذه مجرد أمثلة من الفجوات التنموية والتخطيطية التي تحدث نتيجة للإدارة المركزية وضعف القدرات المحلية ونقص الصلاحيات لديها.  نحتاج بكل تأكيد أدوات جديدة ودماء جديدة تدير الرؤية الوطنية والمحلية - المناطقية وهذا أمر لا يتحمل التأخير فأحد الانتقادات التي وجهها الاستشاري أن آخر مراجعة لأنظمة الابتكار والإبداع والتعليم في المنطقة كان العام 2002م، فما بالكم أن كثير من الأنظمة المرتبطة بالإدارة والتنمية لها عقود لم يتم مراجعتها وتحديثها.

لا أريد أن أصور الإدارة المحلية وكأنها الحل لكل المشكلات ولكن يجب أن نكون على قناعة أنها بوابة الحل. اتخاذ القرار والتخطيط على المستوى المحلي هو أقرب إلى النجاح من القرارات المركزية.  بيئة الإدارة المحلية المطلوبة سوف تساهم بكل تأكيد في اكتشاف إمكانات كل منطقة وتحديد محطتها القادمة.  التركيز على السياقات المحلية والبحث في معوّقاتها وطاقاتها الكامنة يجعلها متاحة للتطوير وعامل أساسي في تنمية المستقبل.