وطنك هو وبكل بســاطة من يلازم اسمه اسمك فــي بطاقتــك الشــخصية، فــلا أهميــة لاســمك ولا لعلمك ولا لأي شــيء تدونه، ولا لأي عمــل أو فعــل تقوم بــه مهما كبر أو صغر مــن دون بطاقتك الشــخصية، تلــك الورقة الصغيــرة التــي نحملها في ثنيات جلد قديــم تحمل جينات التاريخ..

لا تعــرف قيمــة الوطــن إلا حين تســير فــي طرقــات عوالــم غريبــة لــم يعهدهــا ناظــراك مــن قبــل، حينهــا تعــرف معنــى الوطــن، وحينمــا تســير ببطاقتــك الشــخصية فــلا يعترف بها أحــد ويقذف بها فــي وجهك لأنها غير مدونــة فــي حاســوبه الآلي! حينهــا تعــرف معنى الوطن. حينما تتألق بإبداعاتك وابتكاراتك وتســبح فــي بحر مــن الأمنيات التي قــد تتفرد بها عــن ســواك في تلــك البــلاد، فيســأل عن هويتك، ثم يزم شفتيه كفوهة قربة يابسة ولا يعيــرك اهتمامــًا، لأنــك لا تحمل نفس بطاقتــه الشــخصية، حينهــا تعــرف معنى كلمة وطن! حينما تتجول بين البلاد فتوقفك المنافذ وُينثــر كل شــيء فــي محفظتــك وقميصك وملابســك الداخليــة والخارجية وعربتك وحتــى خصــلات شــعرك، حينهــا تعــرف معنــى الوطــن، وحينمــا يقــف شــرطي المرور على رأسك فجأة يسأل عن هويتك وعملــك ومــن أيــن أتيــت وإلــى أي اتجــاه تسير، حينها تعرف قيمة مذاق طرقات وطنك وعبيرها ورائحة ثراها الذي لا يصل إلى أنفك، لأنك على عهد قريب به كل ساعة كفعل استنشاق مجموعة من العطور متتابعة. وحينمــا تقف على بــاب المتحــف الوطني ولأول وهلــة بعــد غيــاب طويل فــي دهاليز العالــم الموحــش، تدمــع عينــاك شــوقًا ولهفة، لأنك تلتقي الوطن بأجمعه على عتباته.

رحم الله جدتي طالما سمعتها تتغنى: العز كل العز تحت البِرَاية بكسر الباء (نوع من الشجر العتيق)!

فمــاذا تعنــي إذًا كلمــة وطــن؟ وهــل نفهم مصطلحها؟ وهل نســتجوب آفــاق عقولنا الرحبة والضيقة في ذات اللحظة عما هو الوطن؟ ســألت إحدى تلميذاتي عن الوطن، وهي خريجــة جامعيــة ومتفوقــة وانتهــت مــن تعليمهــا الجامعــي وبــدأت تعمــل فــي أوار العمــل المهنــي المهلــك والمبــدد للطاقــة لمــن لا يســتثمرون عقولهــم؛ فجاوبتني: وما الذي فعله لنا الوطن؟! حقيقــة فغــرت فاي حتى تمزقت أشــداقي مــن هــول الكلمة، الوطــن ماذا فعــل لنا؟! كلمة صادمة ومهولة لا يســتحملها أمثالي ممــن ســبحوا فــي ثنيــات حبــات الرمــال المنعشــة، ونسمات عبير يتفتق عنها المخ والعقل والوجدان ولهًا من دون سواها. كلمــة صادمــة لأنني تجولت فــي كثير من الوطن تجولت في كثير من بلاد الله ورأيت كيف يبنى الحس الوطني في نفــوس شــبابه، وكيف تتجــذر الوطنية فــي نفوس الشــباب قبل الكبــار، وكيف أن الدول لا تُزال أو تقال إلا إذا تساءل أهلها عن مدى أهميتها "لا تسقط القلعة لكثرة المحاصرين لها، ولكنها تسقط حين يتساءل حماتها عن جدوى حمايتها".

ويــا ليتنــي لــم أســأل أو أجــب فتاتــي التي كشــفت لــي الغطاء عــن جهــل معرفي عن معنــى الوطــن، وتحدثــت معهــا طويــلاً لكــي أفهمهــا أن الوطن يختلــف كثيرًا عن الحكومــات، فمــن الواضــح أن مفهــوم الحكومــة والوطن لديها ولدى الكثير ممن ســألتهم مختلــط لدرجــة الذوبــان، فمــن رضي عن الحكومة رضي عن الوطن ومن ســخط على الحكومة ســخط على الوطن (جل الوطن العربي) فكر واحد لا يستطيعون التفريق بيـن الأوطان والحكومات! من هو المســؤول عــن تدنــي الإحساس بالوطن؟! ومــا أحوجنا إليه فــي مثل هذه الأيــام! وخاصة أن الله قــد أنعم على هذا البلــد بحكــم مــن يخافــون اللــه ويحبــون شعوبهم ويعملون على استقراره. فــي هــذا الوطــن وفــي ظــل تقلبــات هــذا الزمــن المخيفــة.. مــن الذي يدس الســم في العسل في وجدان أبنائنــا، ويغرقهــم في دوامات تأخذهــم بعيدًا عن حــب الوطن ومعرفــة معنــاه، والتقلب بين أحجــاره حتــى ولو كنا حينهــا حفاة عراة.

لا شيء يعدل كلمة وطن. ولــم ينتــه الأمر عنــد تلك الفتــاة، بل امتد إلــى أحــد الرجــال ممــن طافــوا أرجــاء وأنحاء بلاد الله شــرقًا وغربًا، عندما دار نقاش حــول الأمة والوطــن، فأجابني بأنه ليــس مهمــًا الوطــن في ســبيل وجــود أمة، فالأمــة أهــم وأكبــر لديه من وجــود وطن! (الأمة شيء والوطن شيء آخر سيدي!). فما معنى كلمة وطن؟ مــكان تعيــش بداخلــه ويعيــش أكثــر هو بداخلــك، مــكان تســتمتع وأنــت تمشــي علــى أرضــه، فتفخــر بأنــك منــه، تحب

أهلــه لأنهــم أهلك، مــكان تعشــق ترابه وتدافع عنه بدمك ومالك وبنيك، مكان تحــس فيه بأصالــة أجــدادك وتراثهم، مكان فيه تشعر بأن أديم أرضه من جلد أجدادك وتاريخهم هو تاريخك. وطنك هو وبكل بســاطة من يلازم اسمه اسمك فــي بطاقتــك الشــخصية، فــلا أهميــة لاســمك ولا لعلمك ولا لأي شــيء تدونه، ولا لأي عمــل أو فعــل تقوم بــه مهما كبر أو صغر مــن دون بطاقتك الشــخصية، تلــك الورقة الصغيــرة التــي نحملها في ثنيات جلد قديــم تحمل جينات التاريخ من دون أن نعلم معناها! يقــول محمود درويش في إحــدى قصائده: "فلتــأذن لــي بأن أراك وقــد خرجت مني وخرجــت منــك، ســالمًا كالنثــر المصفى على حجر"

كيــف نذكــي الوطنيــة ومعناها فــي نفوس شــبابنا والتي تســعى نظريات العولمة إلى محوهــا، فالهــدف الأســاسي فــي نظريــة العولمــة هو محــو الهوية، وهــذا مدون في وثائقهــا، (محو الهويــة، والقومية، وموت الجغرافيــا والتاريــخ) وللأســف فــإن هذا الفكــر يطــوف كطوفــان "تســونامي" بيــن شــبابنا اليوم من دون أن نعلم، وفي دبيب خفــي لا يشــعر بــه أحــد منــا! فلــولا وطنية أجدادنا ما كان هذا الوطن شامخًا أبيًا نزهو به في بطاقاتنا الشخصية. كلمة تختصر موسوعات ومجلدات وتاريخًا عمــره عمــر الدهــر، تســعنا ونســعها فــي ثلاثة حروف(وطن).

والتي هي منسوخة من كلمة (طين) أي طينة هذا المكان التي تكونت منه خلايا الجسد!