قابلت المهندس محمد سعيد فارسي (1936 - 2019) عدة مرات في أواخر السبعينات الميلادية، عندما كنت مقيماً في جدة، بحكم عملي في "جريدة المدينة"، وكان كل من يقابل هذا الرجل حينذاك، يخرج بانطباع خاطئ، وهو أنه مغرور، ومتعجرف، ولا يحترم العادات والتقاليد! لعرضه مجسمات، لأناس لا يفرقون، بين جدة بوابة الحرمين، وبوابة فلورنسا أو الإسكندرية، وقد ظلت هذه الرؤية "المجحفة" تتنامى، حتى وصلت الحال، بأن كل أمين جديد للمدينة، يعتبر إنجازاته ناقصة، إذا لم يتوجها بإزالة "تحفة" من التحف، التي وزعتها أمانة جدة، إبان أمانة "الفارسي" لها! كان الراحل عكس ما يقال، ويشاع عنه؛ يتمتع بهمة عالية، وجرأة في اتخاذ القرار، ورؤية مستقبلية، كان قادراً على ترجمتها على أرض الواقع، وإلى ذلك كان ذا شفافية عالية، أنيقاً في عباراته وملبسه، إنساناً محباً للآداب والفنون بمدارسها كافة، ما جعله يحول "جدة" إلى متحف في الهواء الطلق، على الشاطئ، وأطراف المدينة، والشوارع، والميادين. وللفارسي أولويات مستحقة، فهو أول أمين لمدينة جدة، وهو أول من جعل للبلدية الأم فروعاً، وأول من نثر التحف والمجسمات المحلية والعالمية في أرجاء مدينته، وأول من تجرأ على عشوائيات جدة، فأزالها، لترى تلك الأحياء، الشوارع الواسعة المشجرة، ولتتمكن بسهولة، سيارات الإسعاف والمطافئ والخدمات العامة من دخولها، وهو من قدم أرضاً على الشاطئ، وليس على الشوارع الخلفية، لتكون مقراً لنادي جدة الأدبي، ولمكتبتها العامة، وفوق ذلك حثه التجار، ورجال الأعمال للمساهمة، في البناء والتشييد للمكتبة والنادي، وللعديد من المشروعات، التي يستفيد المواطنون منها، دون أن يكون هناك اعتماد رسمي لها، وهو أول من أطلق نافورة ضخمة في منطقة الحمراء، لتأخذ ماء البحر، وتعيد نثره، وهو أمين البلدية، الذي يقضي بكرة الصباح من السادسة وحتى السابعة والنصف لتفقد الأعمال والمنشآت، في طول جدة وعرضها، وفي عهده، شهدت شوارع جدة، ناطحات السحاب. وكان يحرص على أن تكون المصلحة التي يرأسها عامرة بالمهندسين السعوديين، يهيئ لهم العمل، وينقلهم من بلدية فرعية إلى أخرى، ومن قسم فني إلى قسم آخر، ليتزودوا بالخبرة، كان الراحل الكبير يحظى برعاية ودعم أصحاب القرار، لتكون بوابة الحرمين محط أنظار أهلها وزوارها من الحجاج، ورجال الأعمال.

محمد سعيد فارسي غير وجه جدة، وكانت الغصة تزوره، كلما سمع عن تحفة تزال بدم بارد، من ميدان، أو شارع، من شوارع جدة!. رحمه الله.