يبقى التسامح مشروعًا حضاريًا وإنسانيًا، فالتسامح يقرب المسافات بين المجتمعات الإنسانية ويضع الإنسان الحديث في انسجام مع العالم، وعند ذلك يرتبط العالم تسامحيًا مع بعضه البعض. فقد أكدت الدراسات الحديثة أن المجتمعات التي يسود فيها التسامح تسود فيها الأخلاق والمبادئ والمثل، وتمارس بشكل عفوي..

في العشر السنوات التي أمضيتها في الولايات المتحدة الأميركية تعلمت بشكل تدريجي عفوية الانسجام مع الناس ومهارة العلاقات الاجتماعية وإدراك الحياة إدراكًا إبداعيًا نوعيًا.

إذ لا يوجد بلد في العالم تجد فيه العلاقات الشخصية فيها عفوية ومنسجمة ومرنة وذات سماحة

فغياب الانسجام مع الناس يؤدي إلى غياب الانسجام مع النفس فكل ما كنت أحاول أن أقوم به هو أن أكتسب سلوكًا إيجابيًا جديدًا وأنزع سلوكًا سلبيًا قديمًا وأشكل عادات جديدة وأنتزع عادات أخرى فهناك دائمًا مجال للاختيار.

فلقد كان لدي ميل دفين لامتلاك حياة جديدة ولكنه كان يتعين علي النظر في الموضع الصحيح.

"لنستوعب القاعدة الوحيدة الراسخة للعلاقات الإنسانية وهي أن النجاح في التعامل مع الناس يعتمد على استيعابك لوجهة نظر الآخر من منظور عاطفي" إنها وصفة مثالية أثبتت فعاليتها.

قبل أيام قابلت شابًا في أحد مصاعد المباني المكتبية في مدينة الرياض وكان عليه فانيلة شتوية جميلة، قلت في نفسي سوف أشيع الفرح في نفس هذا الشاب ليسعد بلحظاته،

فالتفت إليه وقلت بحماسة وعفوية وعلى الطريقة الأميركية:

فنيلة جميلة

نظر إلي وقد أشرق وجهه بالابتسامة

ودخلنا في حوار ممتع

قال: إنها جاءتني هدية

قلت له: لقد كانت هدية رائعة

أراهن على أن هذا الشاب خرج من المصعد وهو يمشي مزهوًا بهذه الفانيلة.

يبتدع د. جيرالدس.. نيرنييرج نهجًا جديدًا للتواصل الاجتماعي من خلال أن تعتبر أفكار ومشاعر الشخص الآخر مهمة كأفكارك ومشاعرك وأن ما تقوله تمامًا قائم على أساس ما كنت تود الاستماع إليه لو كنت أنت المستمع.

يقول ديل كارينجي: إذا أردت مقترحات رائعة عن التعامل مع الناس وإدارة وتحسين شخصيتك فاقرأ سيرة بنجامين فرانكلين إحدى أروع السير الذاتية التي كتبت وإحدى كلاسيكيات الأدب الأميركي والذي جعل من نفسه شخصًا من أكثر الأشخاص تهذيبًا ودبلوماسية في التاريخ الأميركي.

لقد جعل له قاعدة في حياته وهي أن يتوقف عن الاعتراض على رأي الآخرين والتأكيد القاطع على رأيه بل إنه توقف عن استخدام الكلمات التي توحي بالثبات على الرأي مثل: بالتأكيد بلا شك.. واستخدم بدلًا منها: أرى، أعتقد، أتخيل، أو هذا ما يتراءى لي الآن.

ومع مرور الوقت تحولت إلى عادة بالنسبة له بحيث يكاد لم يسمع منه أحد أي تعبير جازم على مدى الخمسين عامًا الماضية.

وهناك قانون مهم جدًا للسلوك الإنساني كفيل بأن يجلب لنا صداقات لا حصر لها وهذا القانون أن تشعر الآخرين بأنهم مهمون.

فالرغبة في الشعور بالأهمية هي أعمق الدوافع البشرية فأعمق المبادئ الطبيعية في البشرية هي التوق إلى التقدير.

ولقد ظل الفلاسفة يبحثون في قواعد العلاقات الإنسانية لآلاف السنين وانتهوا إلى مبدأ واحد مهم وهو مبدأ ليس بجديد بل إنه قديم قدم التاريخ.

فقد دعا إليه كونفشيوس في الصين منذ 24 قرنًا وعلمه لاوتس مؤسس الطاوية لأتباعه في وادي إلهان كما دعا إليه بوذا على ضفة هولي جانجز منذ خمسمائة عام قبل الميلاد كما دعت إليه كتب الهندوسية قبل ذلك بألف عام وهي عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.

والمرء يريد استحسان من يتعامل معهم يريد تقديرًا لقيمته الحقيقية وأن يشعر بأنه مهم في عالمه الصغير يتوق إلى التقدير الصادق.

ولهذا دعنا نتتبع القاعدة الذهبية ونعامل الأشخاص بما نحب أن يعاملونا به.

ولذلك يبقى التسامح مشروعًا حضاريًا وإنسانيًا، فالتسامح يقرب المسافات بين المجتمعات الإنسانية، ويضع الإنسان الحديث في انسجام مع العالم، وعند ذلك يرتبط العالم تسامحيًا مع بعضه البعض.

فقد أكدت الدراسات الحديثة أن المجتمعات التي يسود فيها التسامح تسود فيها الأخلاق والمبادئ والمثل، وتمارس بشكل عفوي.

فإذا نظرنا إلى التاريخ ألفينا فيه مجتمعات وشعوبًا وأممًا مختلفة تتقارب وتتعاون وتتواصل مع بعض.