في الستينيات من القرن العشرين جاءت فكرة أثارت جدلاً كبيراً بين علماء الإعلام الأميركيين وهي أن (الوسيلة هي الرسالة) the medium is the message والتي أوردها الكاتب الكندي مارشال ماكلوهان في كتابه (القرية الكونية)؛ والتي مفادها أن الوسيلة على مر التاريخ هي المحتوى، لأن الوسيلة أو التقنية هي امتداد لأعضاء الإنسان، فمثلاً السيارة هي امتداد لأرجل الإنسان والراديو هو امتداد للإذن والتلفزيون هو امتداد للعين والبصر، وبصرف النظر عن المحتوى فالوسيلة هي التي تشكل وعي الإنسان.

ومن تنظيرات ماكلوهان في كتابه أن التليفزيون وسيلة (باردة)، حيث يحتاج لشخص هادئ وبارد في طرحه للتعامل معه وليس مناسباً للشخصيات الحارة والمنفعلة، والراديو وسيلة (حارة)، تستطيع الشخصيات الحارة مثل هتلر أن تتعامل معه. هذه التنظيرات التي قد يتفق معها البعض أو لا يتفق؛ لكن نظرية ماكلوهان ما زالت تدرس في المؤسسات الأكاديمية لأنها تتناول التقنيات المتجددة والمستمرة معنا: الوسيلة هي الرسالة.

كتاب آخر صدر حديثاً مع بروز وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة وهو كتاب (جيل الإنترنت) الذي دحض فيه الكاتب الكثير من آراء النقاد والمعلمين والمفكرين المهتمين بالإنترنت ولوحة المفاتيح وتأثيرها السلبي على إبداع الجيل الجديد واتهامات المجتمع لهم بأنهم سلبيون وتفكيرهم محدود مقارنة بجيل الآباء. الباحث درس عينة مكونة من عشرة آلاف طفل وشاب من أميركا وأوروبا وشرق آسيا -ولم يكن في العينة عرب- ووجد نتائج عكس توقعات الكثيرين من النقاد، ومن أهمها أن جيل الإنترنت أكثر معرفة وانفتاحاً على العالم من الجيل الذي سبقهم وأكثر إبداعاً ويؤمنون بالعمل الشبكي والإدارة الأفقية وليس الإدارة الرأسية في التعامل معهم.

خرج مؤلف الكتاب بتوصيات مهمة في طريقة تعامل الآباء والأمهات مع أبنائهم، حيث أفاد أن طريقة الأوامر العليا والاتصال معهم من فوق إلى تحت top-down التقليدية في تربية الأبناء لم تعد مجدية. كما أن أسلوب الهياكل التنظيمية في المؤسسات الخاصة والحكومية يجب أن تتغير من أسلوب التنظيم الرأسي إلى الإدارة الأفقية وأسلوب الشبكات للحصول على أفضل إنتاج في العمل. وهذا ما قد يفسر لنا فشل المؤسسات التقليدية في التعامل مع الواقع الجديد، بدليل ما نلاحظه من ردة فعل بعض الموظفين وحتى المواطنين في التعامل معهم، وكذلك فشل أساليب الأهالي التربوية التقليدية مع الأبناء، وما نلاحظه من ردة فعل بعض الشباب والبنات على الأساليب التقليدية في التعامل معهم والتي ينشأ عنها ردود فعل غير متوقعة؛ صحيح أنها لا تشكل ظاهرة لكن قد تكون مؤشرات لبداية مشكلة. إذاً لا بد من إعادة النظر في كل المسلمات التقليدية، والتي كانت تعد ثوابت لا تتزعزع ولا يمكن تحريكها أو مشاركة أي شيء آخر معها، حتى لو كانت ممارسات حياتية عادية مثل الكتابة اليدوية.. فإن لم تتقدم ستتقادم.