في الوقت الذي يحتاج فيه المسلمون إلى من يبين لهم سعة دينهم ويسره وسماحته، نجد أن هناك من يصر على تصوير هذا الدين العظيم بأنه دين ضيق وتشدد، طارد لمعتنقيه الذين قد يخرجون منه بمجرد كلمة تنطوي على الكثير من الاحتمالات. ولا أعلم حقيقة سبب هذا التصوير غير العادل للدين الإسلامي، ولكن ما أعلمه حق العلم أن هذا التصوير الخاطئ قد جعل الكثير من الشباب ينفرون من الدين ويقفون في ذلك على مفترق طرق: إما التشدد والتزمت أو الانسلاخ، حيث يقود الطريق الأول إلى عالم التطرف والتوجه إلى الجماعات الإرهابية، أما الطريق الثاني فيقود إلى عالم الإلحاد، تلك الظاهرة التي تشهد تنامياً ملحوظاً في العالم الإسلامي.

استمعت مؤخراً لمقطع فيديو صور الدين الإسلامي بمثل هذا التصوير. ومع صعوبة التعليق على كل ما جاء فيه فإنني سأقتصر على بعض فقراته. يقول صاحب المقطع إن الإنسان يخرج من الملة (يكفر) إذا قال عن شكل إنسان آخر إنه «غلط». حيث يقول: «من الذي رسم من الذي خلق الشكل؟ هو الواحد الأحد، يعني تستهزئ بالصانع والمصنوع؟». والسؤال هنا كيف غاص صاحب المقطع في قلب صاحب المقولة ليفهم مراده أنه انتقاد للصانع، معاذ الله! إن هذه المقوله لها معنى اجتماعي مختلف ويقصد بها أنه يفتقر إلى معايير الجمال وفقاً لرأي مطلقها. ونتساءل من خلق القرد؟ أليس الله؟ فلماذا نصفه بأنه قبيح الشكل! لأنه بكل بساطة يفتقر إلى الجمال بمعاييرنا البشرية! وفي وصفنا له أنه قبيح فنحن لا ننتقص من الذات الإلهية بالطبع كخالق لها!

ويواصل صاحب المقطع: «البعض يقول لا حول، يا أخي لا حول ولا قوة إلا بالله»! والسؤال: عندما يطلق أحدنا هذه الكلمة فالمعنى المفهوم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله. وحتى لو لم يعني القائل هذا الأمر، فهل يكفر لقوله كلمة «لا حول؟!».. ويواصل: «بعضهم من الجفاء والقسوة والبرود والتخلف يقول السنة اللي جابها محمد، منو محمد هذا؟ محمد رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، محمد رسول الله..». فما يدري صاحب المقطع لعل من قال هذه الجملة قد صلى على المصطفى صلى الله عليه وسلم في سره. ولا أعتقد أن ذكره لاسم النبي دون وصفه أو الصلاة عليه جهراً سبب في خروجه من الملة!

ويستطرد أن مقولة «ثور الله في برسيمه»، تقود إلى الخروج من الملة. والحقيقة أن المقولة الدارجة هي «ثور لاهٍ في برسيمه». أما مقولة ثور الله في برسيمه فلا يقصد بها التعدي على الذات الإلهية بإضافة الثور لها، ولكن المقصود أنه ثور من مخلوقات الله. والثور أصبح مرادفاً للغباء في ثقافتنا العربية. والحقيقة أن كل المخلوقات هي من خلق الله وصنعه. بل إن الله قد ذكر الذباب في القرآن كأحد مخلوقاته التي يتحدى المشركين أن يخلقوا مثله. يقول تعالى: «إنّ الّذين تدعون من دون اللّه لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذّباب شيئًا لّا يستنقذوه منه ضعف الطّالب والمطلوب».

لقد نسي صاحبنا أن الإسلام دين قائم على أساس السّماحة واليسر، وهو الأمر الذي يعني رفض توجّهات التزمّت والتشدّد. يقول تعالى: «يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر». وفي الهدي النبوي الشريف وأنّ «أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه النّاس ليقعوا به، فقال لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماءٍ، أو سجلًا من ماءٍ، فإنّما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين». كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد عليكم، فإنّ قومًا شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم». وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا».