لك أن تسأل نفسك هذا السؤال قبل الكلمة وقبل الفعل، وقد كان العلماء والحكماء قديمًا ينظرون في الكلمة قبل قولها، فإن رأوا فيها خيرًا قالوا، وإن لم يروا فيها خيرًا، أو بان لهم فيها ضرر أغلقوا بابها وتركوها..

سؤال كثيرًا ما نسمعه بين المتخاصمين، وبالأصح هي كلمة شبيهة بالزجر، تقال لمن يدس أنفه في أمور لا تعنيه ولا تخصه، وهذا النوع من الناس في الحقيقة هم صانعو كثير من الإشكاليات الاجتماعية، والخلافات الحاصلة، بل ربما كانوا النواة لإثارة حملات وموضوعات ونقاشات، وقد يتصدرون صحفًا وقنوات، وإذا ما نوقشوا حقيقة النقاش، فليست لديهم الإجابة التفسيرية للسؤال التقليدي؛ "وش دخلك؟".

وفي الحديث الصحيح الذي هو ثلث الإسلام كما يقوله بعض العلماء «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» منطلًقًا نورانيًا ومحفزًّا نبويًّا لأن يسأل أحدنا هذا السؤال ويشهره في وجه من يرى نفسه "مراقبًا لأفعال وأقوال الخلق" عالما بنواياهم، موكولا إليه حسابهم!

ولن يعدم هذا الطفيلي عذرًا في الحديث عن الناس وأحوالهم وأقوالهم، فقد يرفع شعار "النقد" معتقدا أنه يملك آلته، ويظن أن النقد مجرد تسلية وتغطية فراغ، وليس مجالًا تخصصيًّا له مبدؤه وأصوله، فقد يسمع كلمة أو يقرأ شيئا لصغير أو كبير، وسرعان ما يضع أصابعه على "كيبورد" هاتفه ناقدًا أو متكلمًا في الشخص من دون أن يكلف نفسه أن يسألها هذا السؤال: "وش دخلك؟" أو يوسع معرفته يسيرًا ليعرف من هم الذين لهم الحق في هذا الخصوص أن يتكلموا، بله أن يرى أنه أحق بالنقد ممن انتقده!

وقد غُمرَ كثير من النقاد والمصححين الذين إن قالوا كان قولهم هادمًا للخطأ بانيًا للصواب، بسبب كثرة من يتبنون ما لا دخل لهم فيه!

وقد يتذرع آخر بشعار تغيير المنكر، وكأن تغيير المنكر باب لكل من هب ودرج أن يدخله، والحقيقة أن تغيير المنكر باب مغلق إلا لمتخصص قد عرف شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها الإحاطة بقدر الممكن – والممكن يكفي - باختلاف الناس في الحلال والحرام، ودراية كاملة بالمصالح والمفاسد المترتبة على قوله وسكوته، وأيضًا من الشروط أن تكون الاستطاعة شرعية، وفي قول النبي صلى الله عليه وآله «فإن لم يستطع» ليست الاستطاعة فقط مجرد القدرة على التغيير باليد، أو الإنكار باللسان، فقد يكون هذا مستطاعًا لكل أحد، ولكنّ الاستطاعة هي أن تكون موكلًا بالتغيير كوليّ وليس فضوليًّا لا سلطة لك على التغيير، وهذا ما نراه كثيرا ما يحدث، وبسببه قد نسمع الخصومات وارتفاع الأصوات، وبسببه قد نسمع كثيرا وكثيرًا من تساؤل الطرف الآخر قائلا: "وش دخلك؟".

وقد وضع لنا نبينا صلى الله عليه وآله قاعدة عريضة هي قوله "تركه ما لا يعنيه"، فما تخصصت فيه ولك فيه معرفة وارتباط، وكان محط عنايتك هو الذي يحق لك أن تكون متدخلاً فيه تدخلًا إيجابيًا، بضوابطه وشروطه.

إننا في خضم هذا الانفتاح التكنولوجي الإلكتروني الذي قرّب البعيد وأطّر الفسيح، وفتح المجال لكل أحد أن يتكلم ينبغي لنا أن نعرف أن هذا يعد اختبارًا لنا في تقبله بالعقلية التدرجية وبالتعامل المنسق والمرتب؛ حتى لا يكون مدخلًا للفوضى الرقمية؛ التي يتغذى منها الجهل، ويعيدنا إلى مجتمع جاهلي يهدم نفسه بالعلم، ويؤخر نفسه بما تقدم به آخرون، وما ذاك إلا للعشوائية الحاصلة في التعامل مع الواقع، وعدم معرفة أحدنا بما يعنيه وما لا يعنيه، وتدخلنا اعتباطًا فيما لا يخصنا، وليس هو من شأننا، وعدم إيجاد الجواب التفسيري للسؤال المتوقع دائمًا عند كل تدخل "وش دخلك؟".

ولك أن تسأل نفسك هذا السؤال قبل الكلمة وقبل الفعل، وقد كان العلماء والحكماء قديمًا ينظرون في الكلمة قبل قولها، فإن رأوا فيها خيرًا قالوا، وإن لم يروا فيها خيرًا، أو بان لهم فيها ضرر أغلقوا بابها وتركوها، ليس تجنبًا لزجر الخلق "وش دخلك؟" وإنما طلبًا للسلامة والنجاة من السؤال عن سبب التدخل يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها. هذا، والله من وراء القصد.