أشرت في المقال السابق إلى أن الإحصاءات النفطية حتى عام 2040، ربما لا تتحقق كلها. فالجهات الإحصائية لا يمكنها أن تقدر بصور دقيقة كل التوقعات التي تضعها. فمثلًا من غير الممكن معرفة تطور الأحداث السياسية في العالم خلال الـ20 عامًا القادمة ولا النتائج التي سوف تترتب عليها، وخاصة في جنوب شرق آسيا المستهلك الأكبر للطاقة والشرق الأوسط المنتج الأكبر للطاقة. كذلك فإن إنتاج هيدرات الغاز المتواجد بكميات كبيرة حول سواحل جنوب شرق آسيا والصين ممكن أن يحدث ثورة في إنتاج الطاقة أكبر من الغاز الصخري -ويغبر موقع الأوبك وحتى الغاز الطبيعي في ميزان الطاقة العالمي. كما أن تطور صناعة السيارات والتوجه للاستغناء عن محرك الاحتراق الداخلي والبنزين إلى السيارات الكهربائية والإلكترونية هو الآخر سوف يقلل بشكل كبير من الطلب على الطاقة، وذلك على أساس أن الطلب على وقود السيارات يحتل المرتبة الأولى في إجمالي الطلب على مشتقات النفط. هذا بالإضافة إلى أن الثورة الصناعية الرابعة والاقتصاد الرقمي سوف تقلب الاقتصاد العالمي، خلال الـ20 عامًا القادمة، رأسا على عقب.

ولكن حتى دون تلك التطورات، فإنه لمن الواضح أن كبار منتجي الطاقة، سواء منتجي النفط أو الغاز، لا يمكنهم كل بمفردة أن يضمن الاستقرار لأسواق الطاقة العالمية. إذ حتى تكتل الأوبك، أثبت خلال السنوات التي أعقبت عام 1973، أنه غير قادر على منع تذبذب أسعار النفط بشكل حاد. بل إن الأوبك نفسها كانت في كثير من الأحيان ضحية تقديراتها الخاطئة كما حدث ذلك في عام 2014.

وهذا لا يعني أن الأوبك قد استفذت إمكاناتها. بالعكس، فإن الأوبك هي منظمة ضرورية لرص صفوف منتجي النفط من البلدان النامية. ولكن الأوبك التي تلبي أقل من 50 % من الطلب العالمي على الطاقة لا يمكنها وحدها أن تأخذ على عاتقها تحقيق أمرين على قدر كبير من الأهمية:

الأول: المساهمة في نمو الاقتصاد العالمي، وما يتطلبه ذلك من أسعار مشجعة ومحفزة على نموه. فهذا من شأنه أن ينعكس بالإيجاب على صناعة النفط والطاقة العالمية نفسها، التي سوف يزداد الطلب على منتجاتها بشكل طردي مع ارتفاع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

الأمر الأخر: تحقيق سعر عادل لمبيعات الطاقة. أو بمعنى آخر أن العائد التي تحصل عليه البلدان المصدرة للطاقة يفترض ألا يكفي فقط لتمويل برامج التنمية الطموحة للبلدان المنتجة لها وإنما أيضًا إعادة الإنتاج الموسع لصناعة الطاقة لتلبي بالتالي إعادة الإنتاج الموسع للناتج المحلي الإجمالي العالمي.