كان صباحاً عادياً في 11 مارس 2011م، اصطحبت ابنتي رفاء إلى روضتها ومن ثم توجهت إلى مكتبي في الملحقية الثقافية بطوكيو. بعد صلاة الجمعة اتجهت لمدينة يوكوهاما على بعد نصف ساعة بالسيارة في زيارة علمية مع المبتعثين لشركة فوجي سوفت. وما إن دخلت المبنى إلا وشعرت وكأن قبضة فولاذية انقضت على الأرض من الأسفل لتهزنا جميعاً.. وما هي إلا لحظات ويتكرر المشهد وتبدأ جدران المبنى في التحرك ذات اليمين وذات الشمال مع رابع أقوى زلزال مسجل في التاريخ البشري بقوة تسع درجات.. اتصلت بالزملاء في المكتب بطوكيو للتواصل مع المبتعثين في المناطق المنكوبة حالاً.

توقفت الهزات قليلاً، بدأنا برنامج الزيارة بحضور رئيس الشركة إلا أن عودة الهزات جعلتنا نؤثر إيقاف البرنامج.. وحرصاً على سلامة الطلبة طلبت منهم البقاء، ووعد مسؤولو الشركة بتقديم كل العناية اللازمة لهم. وغادرت بالسيارة لأعود لطوكيو سريعاً للتمكن من إدارة الأزمة عن قرب.

انقطعت شبكة الاتصالات الهاتفية وتوقفت الرسائل النصية.. وأغلقت الطرق السريعة ولم يكن من خيار سوى الطرق العامة.. وكانت السيارات متوقفة تماماً. وبدأت الناس تنقض لشراء ما في البقالات من طعام وشراب ومواد أساسية.. وعلى شاشة التلفاز في السيارة شاهدت أمواج التسونامي البحرية تبدأ في إغراق المطارات وسحب الطائرات والشاحنات بمنطقة توهوكو شمال شرق اليابان.

وما هي إلا ساعة ويبدأ التحذير من قدوم موجات تسونامي إلى المنطقة التي كنت فيها عالقاً في نفرة السيارات المتوقفة من الزحام.. وزاد الأمر سوءاً أن الأرض بدأت تتشقق بعد الزلزال لتخرج المياه من تحت الأرض لتغرق الطرقات..

ولك أن تتصور تلك اللحظات.. الاتصالات مقطوعة تماماً.. السيارات متوقفة.. الطرق غارقة.. وأمواج التسونامي قادمة.. لا تعرف ما هو مصير زوجتك وابنتك وطلابك.. في تلك اللحظة يبدأ المرء في التجرد من كل أمر تافه في هذه الحياة ويبدأ في استرجاع شريط حياته..

في تلك اللحظة يندم المرء على كل لحظة لم يقضها مع والديه وزوجته وأبنائه.. وفي تلك اللحظة يراجع المرء جميع حساباته مع ربه ومع الناس ويتساءل بكل تجرد: هل أنا جاهز للقاء ربي؟ في تلك اللحظة لا تفارق الشهادة لسانك وتكون مستعداً للرحيل عن الدنيا..

وفي تلك الليلة لم تتوقف الأرض عن الاهتزاز كل عشر دقائق توجد هزات ارتدادية.. ومن فضل الله، بعد ساعات بدأت بعض الاتصالات في الورود للهاتف من الخارج، ولم تكن موجات التسونامي التي ضربت السواحل في منطقة يوكوهاما بتلك القوة.. وتمكنت من العودة للمنزل ولقاء زوجتي وابنتي بعد 14 ساعة في الطريق بين يوكوهاما وطوكيو واطمأننت لسلامة المبتعثين في منطقة سينداي والذين تم إنقاذهم لاحقاً بإرسال طائرات هيلوكوبتر نتيجة إغلاق المطارات...

وأخيراً، فعندما تزلزل الأرض، تهتز المباني وتهوي الأوهام والصراعات التافهة ويعرف المرء بكل وضوح وثبات ما هي القيمة الحقيقة لهذه الحياة وما الذي يفنى وما الذي سيبقى بعد أن تزلزل الأرض زلزالها..