العنف صعب موضعته أو تأطيره أو جَسْدَنَتُهُ بشكل يقيني وقاطع، لكنّه يظل قنبلة موقوتة، فهو أساساً غير ظاهر ولا مرئي، دون أن يختفي أبداً، حيث يبدو أنّه تمّ درؤه، ولا يبقى العنف حاضراً في وعينا سوى بوصفه يمثّل إمكانية وتهديداً..

مِن أعقد الظواهر التي مرّت على التاريخ البشري، وأكثرها حيرة وارتباكاً، هي ظاهرة العنف. تلك الظاهرة التي حيّرت المفكّرين والفلاسفة والعلماء والباحثين. ذلك أنّهم لم ينجحوا في تقديم حلول ناجعة تكظم هذه الغريزة العنفيّة فضلاً عن استئصالها؛ ولم تنجح تعاليم العقل أو الحوار أو حتى تعاليم الأديان الروحية على اختلافها وخيريّتها في انتزاع تلك الدوافع والنوازع العدوانية وامتصاصها، بل نجدها تتفاقم -بشكل مروّع- مع مرور الوقت رغم تطوّر البشرية ووسائل رفاهها؛ إذ لا يزال هذا الكائن/الإنسان؛ ميّالاً للشّر ونزّاعاً للتقتيل وإشباع شهواته الانتقامية ورغائبه اللاإنسانية في السّفك والبشاعة واللاتسامح.

وتزداد خطورة هذا المدّ العُنفي مع تعدّد وسائل وطُرُق الإيذاء وتمدُّد مساحات البشاعة والأطماع والرغبة في الاعتداء -إن على مستوى الأفراد أو الدول والمجتمعات- لا سيما أنّ إكراهات هذا العنف لا تعبأ بأيّ قِيَم روحية أو إنسانية أو ثقافية؛ بل تتحرّك وفق شهوات ورغائب وأطماع بالغة التعقيد في نزوعاتها وتدميريّتها؛ وتتبدّى لنا بشكل يومي، بل لحظي وراهني وآني؛ على شكل اقتتالات وحروب فادحة الأثر جعلت من عالمنا مسرحاً كبيراً للعنف؛ يزداد توغّله واستفحاله بافتراسية لم تنجح معه تجارب العالم المتحضّر في وقف مدّه، في إشارة بالغة الدلالة على هزيمة العقل والوعي والخير وانتصار الشّر والقُبح والجهل المُدمِّر؛ ولذلك نتفهّم عبارة أحد الفلاسفة وهو يؤكّد بأنّه "بمجرّد ما يغادر المرء العالم الفاقد لكل حِسّ، يواجه قرارات الموت العنيف مكتوباً على تخوم الحياة ذاتها"؛ ويتفق معه؛ وبشكل أشدّ وعياً وملامسة الفيلسوف جان بول سارتر في مقاله "العنف بما هو ضد الإنسان" الذي يشير فيه إلى الإنسان بعد أن يغدو جذرياً كآخر؛ أي ذاك الذي يهددّنا بالموت أو إن شئنا، نفهم بشكل عام غاياته (لأنها غاياتنا)، ووسائله (لأن لنا نفس الوسائل)، والبنيات الجدلية لأفعاله، ولكننا نفهم كل هذه الأمور وكأنها خصائص من نوع آخر من الموجودات: صنونا الشيطاني. ويمضي في ملامسته العميقة ليؤكد: أن لا الحيوانات المتوحّشة ولا الميكروبات تُرعب الإنسان، إذ لا شيء أكثر إرعاباً له بالفعل، من نوع ذكي، لاحم، قاس، يكون بمستطاعه فهم وإفساد العقل الإنساني، ويهدف بالتحديد إلى تدمير الإنسان.

ولأنّ العنف صعب موضعته أو تأطيره أو جَسْدَنَتُهُ بشكل يقيني وقاطع، لكنّه يظل قنبلة موقوتة، فهو أساساً غير ظاهر ولا مرئي، دون أن يختفي أبداً، حيث يبدو أنّه تمّ درؤه، ولا يبقى العنف حاضراً في وعينا سوى بوصفه يمثّل إمكانية وتهديداً.

عن العنف وآثاره المدمّرة كتب كثيرون، وتظلّ مع ذلك قاصرة عن الإحاطة ببشاعته، فقد كتب سيجموند فرويد عن الأهوال المرتكبة في القرن العشرين، قائلاً:" إنّ البشر لم ينحطّوا في حقيقة الأمر هذا مُطلقاً على النحو، الذي يظنُّه البعض".

ولكن ما علاقة العنف بجوهر الإنسان؛ وهل هو شرّ محض متأصّل داخله؟ يلامس هذا التساؤل الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل عبر سلسلة محاضرات ألقاها لفت فيها النظر إلى أنّ "ضراوتنا البدائية وغير الواعية إلى حدّ كبير.. الغرائز القديمة التي تحدّرت إلينا من أسلافنا القبليين، كلّ أنواع الحوافز العدوانية الموروثة من أجيال طويلة من المتوحّشين". وهو رأي يتماهى معه تماماً فرويد الذي يعلن بجسارة أنّ الناس ليسوا مخلوقات ودودة وديعة.. إنّ درجة هائلة من الرغبة في العدوان يجب أن لا يحسب حسابها كجزء من موهبتهم الغريزية. ويفيض أكثر في غريزة العدوانية حين يقرّر أنّ وجود هذا الميل للإنسان نحو الاعتداء، والذي نستشعره في ذاتنا، ونفترض أنه يحتل مكانته الخاصة عند الآخر، هو العامل الذي يخلخل علاقتنا بالقريب ويرغم الثقافة على الاستهلاك الذي يُعد ميزتها. وتبعاً لهذه الكراهية الأولية الموجودة لدى الناس اتجاه بعضهم البعض، فإن المجتمع والثقافة مهدَّدان باستمرار بالتفكّك.