يمكن القول إن من أهم عوامل صيانة صحة المجتمع النفسية هو العناية بالعديد من المدخلات التي تشكل في مجموعها سلامة النظرة للذات والآخر، وتتشابه العوامل المؤثرة في صحة المجتمع مع تلك التي تتأثر بها صحة الفرد، ومن هنا يمكن الخلوص إلى نتيجة منطقية مؤداها يقول إن الممارسات السلبية الفردية (المجتمعية) التي يمارسها بعض أفراد المجتمع بشكل متكرر هي في حقيقتها أحد أهم عناصر التدمير الذاتي لشخصية الفرد والمجتمع ثمرة ونتيجة.

وعلى هذا الأساس يمكن تحديد أبرز عناصر ثالوث التدمير الذاتي الذي نمارسه بوعي أو دون وعي في حق ذواتنا ومجتمعاتنا في: أولاً: جلد الذات وثانياً: الانبهار الأعمى بالآخر ثم ثالثاً: تهشيم النماذج والرواد. وتبدو هذه المظاهر الثلاثة متشابكة بل وتخدم بعضها بعضاً حتى وإن تحجج بعضنا بأهمية النقد والمكاشفة فالمحصلة النهائية تتأثر بمستوى الوعي العام وشراسة الخصوم المتربصين وهذان العنصران بيننا ومن حولنا يستحقان كل اعتبار.

ولذلك تجد أن من يسقط أو يتهكم على مكونات مجتمعه بشكل اعتيادي هو في حقيقة الأمر يسهم في تسويد الصورة الذهنية لمجتمعه وبشكل خاص أمام الأجيال الجديدة. وممارسة نقد الذات حق وواجب في بعض الأحيان ولكن الفروق الدقيقة بين النقد وتدمير الذات تحتاج إلى مزيد التأمل قبل أن نقول ما نعتقد أنه ينبغي علينا قوله. ويترافق مع مظاهر جلد الذات حالات الانبهار بالثقافات ومظاهر الحياة في المجتمعات الأخرى بشكل غير منطقي، وهذه الظاهرة تتسع دائرة تأثيراتها مع تبني بعضنا لمظاهر سلبية من ثقافات أخرى ويصبح مروجاً لها وما تمثله دون وعي بالتكاليف الحضارية التي يدفعها الفرد والمجتمع. ويكفي أن تتأمل تأثيرات الدراما والسينما العالمية على صورة مجتمعات الغرب والشرق بحسب الرؤية الإيديولوجية والحمولة الفكرية لأصحاب هذه المشروعات لتعرف أن التأثير التراكمي لابن وابنة المجتمع أكثر عمقاً. وحين تتوالى هذه السلوكيات وتظهر في الكتابة والدراما والثقافة الشعبية فهي بالنتيجة أقوى محفزات كراهية الذات والتعلق بالآخر وبالتالي تهميش الثقافة المحلية وإضعاف دور الرموز التي تقود المجتمع وتحاول أن تعزز ثقته بذاته وأدواته ضمن مسؤوليتها الحضارية والتاريخية.

  • قال ومضى:

لا تنهر السائل وتمنع السؤال يا من حجبت الأجوبة!