فلسفة الإدارة المحلية تقوم على فكرة التكامل الذي يقود إلى التنافس واكتشاف الطاقات المحلية الكامنة وتوظيفها لابتكار مجالات جديدة للإنتاج بدلاً من العمل بالنيابة عنها وتسكينها كما هو الحاصل حتى يومنا هذا..

القرارات الأخيرة التي اتخذها معالي وزير الشؤون البلدية والقروية المكلف والتي شملت أمناء البلديات الكبرى وأمناء بلديات المناطق والمحافظات ووكلاء الوزارة وبعض المسؤولين فيها تمثل نقلة نوعية تصحيحية لدور الوزارة الذي مازال يراوح المركزية ويتشبث بها. ورغم أن العمل البلدي محلي بامتياز ولا يمكن أن يكتب له النجاح إذا لم يهيكل نفسه داخل إطار الإدارة المحلية، إلا أنه لم تتبلور حتى هذه اللحظة حتى مع رؤية 2030 الطموحة التي ترتكز على الروح المحلية المتوقدة والمتحفزة للتنافس والتطوير وبناء الاقتصاد الوطني. فلسفة الإدارة المحلية تقوم على فكرة التكامل الذي يقود إلى التنافس واكتشاف الطاقات المحلية الكامنة وتوظيفها لابتكار مجالات جديدة للإنتاج بدلاً من العمل بالنيابة عنها وتسكينها كما هو الحاصل حتى يومنا هذا. قرارات وزير البلديات فهمتها وكأنها انقلاب على مركزية الوزارة بتعزيز صلاحيات أمناء المناطق وهذا يعني أننا على موعد مع مزيد من التوجه لبناء الإدارة المحلية التي طالما رأى الكثير أنها الحل الأكثر ديمومة والأكثر قدرة على تفجير الطاقات التي لا يستطيع المركز رؤيتها.

في بداية الألفية الثالثة ظهرت مقولة «فكر كونياً واعمل محلياً»، وأنا أقول إنه يمكن أن «نفكر مركزياً ونعمل محلياً» فمسألة تماسك الهوية الوطنية وبناء رؤية موحدة للمملكة لا يتعارضان أبداً مع أن نعمل على المستوى المحلي، ونحن نعني فعلاً أن يكون لكل منطقة في المملكة خصوصيتها الاقتصادية وخصوصيتها الإدارية، وأعتقد أن المملكة جديرة بأن يكون فيها أكثر من 13 منطقة فهناك محافظات كبيرة مثل الأحساء والطائف وحفر الباطن وربما وادي الدواسر جاهزة كي تكون مناطق جديدة تكمل النظام الإداري كمرحلة انتقالية يمكن بعدها زيادة عدد المناطق. الهدف هنا ليس إنشاء مناطق جديدة بقدر ما هو إيجاد حراك اقتصادي تنافسي يقلل من المناطق الهامشية في بلادنا ويزيد من التركيز والاهتمام على مناطق تملك القدرة على الإنتاج والمساهمة في الاقتصاد الوطني.

ومن المعروف أن العمل البلدي، سواء كان من خلال البلديات أو المجالس البلدية، هو مفتاح التنمية، ولعل قرارات وزير البلديات ركزت على هذه المفاتيح المهمة، وإن كانت ليست كافية، لإطلاق الروح المحلية التي تساهم في زيادة الدخل الوطني ولا تكون عالة عليه. ولعلي أشير هنا إلى ما يحدث في العلا ومشروع نيوم والمشروعات الأخرى التي بدأت رؤية 2030 توظفها كمحركات للتنمية مرتبطة بمواقع جغرافية ذات خصوصية تاريخية وطبيعية لكنها في نفس الوقت جزء من الثقافة المحلية المتفردة التي تتميز بها بلادنا. ما سيشكل هوية المملكة المستقبلية بالإضافة إلى كونها قلب العروبة والإسلام وأحد أهم مصادر الطاقة في العالم هو هذه الثقافة المحلية الاقتصادية المبنية على التنوع والتكامل بين مناطق المملكة، وهو تكامل يجب أن يقود إلى تنافس خلاق.

الإدارة المحلية ليست هدفاً بذاتها بقدر ما هي وسيلة للتنمية أثبتت جدواها، ودون شك أي نموذج إداري له إيجابياته وسلبياته لكن في نهاية الأمر أحد أهم عناصر النجاح الإداري هو الوصول إلى الطاقات المهمشة التي يصعب رؤيتها من خلال النظام الإداري المركزي وتوظيف الموارد الاقتصادية المهدرة وغير المستغلة نتيجة العبء الإداري المركزي المثقل والذي عادة لا يستطيع أن يرى إلا الأشياء الكبيرة. الإدارة المحلية هي وسيلة مهمة جداً لاكتشاف الأشياء الصغيرة التي يصعب رؤيتها والمقدرة على توظيفها لصناعة أشياء كبيرة منها، ولعل هذا في حد ذاته ما تسعى له رؤية المملكة، فهذه الرؤية تريد منا أن نبحث عن الموارد التي لم نستطع أن نراها وتفجر الطاقات الكامنة فينا التي لم نوظفها بعد، وهذا لن يحدث في نظام إداري مثقل بالهموم الكبيرة.

لا أنكر أبداً أن قرارات وزير البلديات أثارتني وذكرتني بالعديد من الأطروحات التي طرحتها سابقاً في هذه الصحيفة حول الإدارة المحلية، وربما لم يكن الوقت ملائماً في ذلك الوقت للتوقف عندها، ولكن هذه الأيام الظروف مواتية والتوجه العام للمملكة مبني على تعزيز الفعل المحلي واكتشاف الإمكانات الكامنة التي لم نرها من قبل، وهذا يتطلب وجود عيون وقلوب محلية واعية بالجغرافيا المكانية والبشرية وقادرة على التعامل مع هذه الجغرافيا بالأسلوب الذي يخرج أقصى ما فيها.