هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّم

أم هلْ عرفتَ الدارَ بعدَ توهمِ

يا دارَ عَبلَةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمي

وَعَمي صَباحاً دارَ عَبلَةَ وَاِسلَمي

بهذه الأبيات تباكى عنترة بن شداد على أطلال ديار عبلة بعدما جرت عليها أحكام الزمان ومسحت الأيام آثارها وذكرياتها.. وإذا ما كان شعراء الجاهلية قبل أكثر من خمسة عشر قرناً قد أبدعوا في التباكي على مساكن الأحبة التي هجرها أهلها، فيبدو أن هنالك مدناً في عالمنا المعاصر ينتظرها نفس مصير أطلال الجاهلية.. مقالة اليوم تستعرض كيف تموت المدن؟

نسافر إلى روما والتي كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية والتي بسطت نفوذها في أجزاء كبيرة من أوروبا وشواطئ البحر الأبيض المتوسط على مدى يتجاوز السبعة قرون. وصل التعداد السكاني في روما إلى ما يقارب المليون نسمة.. ورغم كل هذه القوة انتقلت العاصمة من روما وهجرها أهلها حتى بلغ عدد السكان ثلاثين ألفاً فقط! والسبب وراء هذه الهجرة كان تراكم النفايات وما نتج عن ذلك من تلوث الهواء وانتشار الأمراض والأوبئة.. وجاءت عودة روما بعد قرون بتبني الفنون والمتاحف وجعلها مركزاً دينياً عبر الفاتيكان والتي يزور متاحفه سنوياً 4,2 ملايين سائح بينما يزور الكولسيوم 4 ملايين سائح كل عام.

ونغادر روما لنتجه إلى مرابع الساموراي في اليابان وتحديداً إلى مدينة فوكوشيما في اليابان والتي تبعد 250 كلم شمال طوكيو. في يوم 11 مارس من العام 2011م ضرب اليابان رابع أقوى زلزال مسجل في التاريخ البشري بقوة 9 درجات على مقياس ريختر مما تسبب بموجات تسونامي مائية بارتفاع 40م أغرقت البيوت والسكان وجرفت الطائرات والسيارات.. ولكن المأساة الحقيقية جاءت بعد حصول انصهار في المفاعل النووي دايئيتشي نتيجة توقف عملية التبريد بعد انقطاع الكهرباء بسبب الأمواج. وكانت النتيجة تسربات إشعاعية وصلت لمستوى كارثة تشيرنوبل النووية الشهيرة.. وبسبب هذه الظروف تم إخلاء المدينة ومنع السكان من الإقامة فيها.. وزرت المدينة قبل عدة سنوات. لم أر هناك إلا البيوت المهدمة المهجورة والتي راحت تتسكع فيها الطيور والحيوانات البرية. الطرقات خالية، المحلات شاغرة ولا شيء يسمع إلا رنين الصمت وصوت الريح وكأنها مراسم عزاء لا تنتهي..

محطتنا التالية في بانكوك عاصمة تايلاند. لحسن الحظ لم تمت المدينة لكنها تحتضر الآن بسبب الغازات السامة التي ملأت أجواء بانكوك نتيجة عوادم المركبات وحرائق الغابات والمخلفات الصناعية الغازية الناتجة عن المناطق الصناعية.. ولهذا السبب أصبحت بانكوك خامس أكثر المدن تلوثاً على كوكب الأرض. وحاولت السلطات الحكومية التحكم في أعداد السيارات واستحلاب الأمطار الصناعية لتخفيف حدة التلوث لكن دون فائدة.. ووصلت حدة التلوث إلى أن تم إعلان إجازة رسمية في المدارس لمدة أسبوع خشية تأثير الهواء الملوث على صحة طلبة المدارس..

وبعيداً عن الأمراض، الإشعاعات النووية، الغرق والتلوث، فتظل أسوأ طريقة للقضاء على المدن دون شك هي الحروب وحالة انعدام الأمن والأمان..