من منا لم يطل من نافذة الطائرة - وهي محلقة - إلى قمم وسفوح الجبال وأوديتها؟ وكيف إن مرت به قطرة الماء تلك أن تترك لنا هذه المعالم بديعة الجمال؟

من ينكر ذلك سينكر ما تصنعه القوى الناعمة من إعلام وفنون في الذهنية الإنسانية

لا أحد منا ينكر رقة الماء، وهو في كنهه سر الحياة! كما قال تعالى "وجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيء حَّيِّ". هذا المخلوق الرقراق الناعم هو من يصنع تلك الخريطة الربانية، فيحدد معالم الأرض لتكون آثاره شاهدة على تاريخ معالمها، وتكون آثاره أداة لعلماء الآركولوجيا على مر العصور المتعاقبة.

من منا لم يطل من نافذة الطائرة - وهي محلقة - إلى قمم وسفوح الجبال وأوديتها؟ وكيف إن مرت به قطرة الماء تلك أن تترك لنا هذه المعالم بديعة الجمال؟

من ينكر ذلك سينكر ما تصنعه القوى الناعمة من إعلام وفنون في الذهنية الإنسانية عبر ما يسمى "التسرب الوجداني"، وقد أسميتها في نظريتي (البعد الخامس) بـ "السحر المشروع"؛ ذلك لما وجدته من فعالية لهذه الآلة وسحرها الذي نجهله.. إنه الحقن تحت الجلد كما قال غيورغي غاتشف في كتابه الوعي والفن.

إننا لا نزال نتحسس الخطى وعلى استحياء لدور هذه القوى وفاعليتها واعتمالها في النفس البشرية، لم نفقه كنهها، لم نحسن صناعتها، لم نختر ذوي الخبرة والكفاءة لإدارتها، فلكل سلاح صناعة تفسده إلا عندنا، بينما كانت هي من دون غيرها آلة فاعلة للصهيونية العالمية، يمتطون صهوتها منذ تأسيس منظمتهم في مؤتمر بازل الأول برئاسة تيودور هيرتزل بسويسرا في أغسطس 1897، للعبث بالذهنية الإنسانية، وتغيير طرائق تفكيرها بل سلوكها وأسلوب حياتها أيضا عبر هذه الآلة والآلية! فمن منا تأمل "برموشن" قناة الجزيرة حين تعمل قطرة الماء على تفتيت الحجر، وهذا هو المقصود! قوة ناعمة وإن كانت كاذبة قلبت العالم وغيرت الذهنية ليست العربية فحسب وإنما العالمية أيضاً.

والغريب في الأمر أننا نزدرد كل ما نسمع، ونصدق كل ما يقال، من دون وعي لم يتح لنا بحرفية ومهنية، بينما أحسنت منظمة هيرتزل اقتياد رقاب العالم إلى ما يريدون نتائجه!.

سبق أن كتبت نصا مسرحيا بعنوان "حينما تموت الثعالب" عام 2000م، بطله دخل مطعما - ولأول مرة - مع خطيبته للتنزه، لكنه وجد أن كل من في هذا المطعم يعرفه، ويوهمه كل منهم بأفعال لم يفعلها، بل لم يأت إلى هنا من قبل!. فيؤكد "الجرسون" أنه يأتي إلى هنا كل مرة ويحب القهوة مع البسكويت؛ وأن المطر يتساقط بغزارة وهم في شهر يونيو شديد الحرارة، وأن هذا المطعم سيغوص في الطين شيئا فشيئا، وسيموتون جميعا بسبب خطيئة ارتكبها هو، بأن دفن لعبته المحشوة بقصاصات الورق وهو ابن ست سنوات هناك في سهول سيبيريا الثلجية، حتى سالت الأرض جراء فعلته، وأن هذا المطعم غاص في الطين، وبدأوا يختنقون ثم يتمددون على الأرض من دون حراك. حينها يقف الشاب وبـ"منولوج" طويل يعترف - كما خيل له - بأنه سبب هلاك هذا العالم فيشنق نفسه، فينهض الجميع ويفكون وثاقه ويؤكلونه على ترانيم طقس الفطيرة المقدسة التي يقدسها اليهود في عقيدتهم.

هذا هو حال ما يمارس علينا من آلتهم اللعينة، حتى نقر بأننا سبب دمار العالم وشقائه، وفي حقيقة الأمر إنهم من صنعوا الإرهاب ومارسوه وصدروه، ثم يأتوننا منكسي الرؤوس بعدما ردت إليهم بضاعتهم!

من عمل على محرقة الهولوكوست - وهي إبادة جماعية قتل فيها ما يقرب من ستة ملايين نسمة على يد النظام النازي لأدولف هتلر خلال الفترة الممتدة من عام 1941-1945؟ ثم مَن عمل على مذابح فلسطين الجريحة: مذبحة الحرم الإبراهيمي وهم ركع سجود، ومذبحة صبرا وشاتيلا، مرورا بمذبحة بحر البقر الابتدائية في مصر؟ ومن صنع ابن لادن ونظام القاعدة وصولا إلى صناعة "داعش" وتمويله؟! إن ما يبعث على الدهشة هو مطالبتهم بحقوق الإنسان عبر أبواقهم الممولة، بينما نجد أن سجن غونتاناموا شاهد على التاريخ! فورقة حقوق الإنسان باتت صفراء باهتة يفركونها بين أكفهم، معتقدين أنها ستثمر أوراقا وأزاهير!

يرد فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي صحافي ألماني بقوله: "أنتم لن تعلمونا إنسانيتنا وأخلاقنا"، ثم يقول: "إذا كانت أوروبا تحقق الرفاهية للشعوب، فإن من أولوياتنا دعم وتثبيت الدولة وحمايتها من مخططات الإرهاب".

لكنهم في هذه المرة توافدوا إلى مؤتمر شرم الشيخ يحملون في أكفهم ما زرعته أيديهم، يطلبون العون والمساعدة، ولطالما طالبنا بها، ولكن كانت بلا آذان مصغية سنين عديدة! فكما يقول المثل الشعبي "انقلب السحر على الساحر"، وهذا ما أتى بهم يجتمعون بالقادة العرب لاهثين لإيجاد حلول لمشكلات باتت مخاطرها محدقة بهم، من هجرة غير شرعية، أزمة مالية، استثمارات متعسرة، مظاهرات وتخريب، سترات صفراء وزرقاء وبكل ألوان الطيف، وإرهاب يجتاح الدنيا بأسرها، فلا دين ولا وطن له، فمن زرع حصد كما يقال.

ويتسائل العرب في هذا المؤتمر: ماذا أنتم فاعلون حينما يعود إلى بلادكم 70 في المئة من إرهابيي سورية وليبيا، ذوي الجنسيات الأوروبية يحملوا بين أكتافهم رؤوسا مملوءة بعقائد وأفكار لا قبل لكم بها؟!

ومن غرائب الأمر أنه حينما طالب الجانب العربي بعدم تدخل أي دولة في شؤون الأخرى من جيرانها، رفض ذلك الجانب الأوروبي هذا التدوين، ولا علم لنا بسبب هذا الرفض، سوى أنهم ينزعون القناع لتظهر الصورة الحقة والنوايا الخفية، مثلما قال وحيد حامد على لسان شخصية سيد غريب: "اضحك الصورة تطلع حلوة".