الهدف من استضافة المملكة لهذا المعرض، رفع وعي الجماهير والمجتمع بالتراث الحضاري والإنساني، وأهمية الحفاظ عليه، لا سيما في المدن العريقة والأثرية المسجلة في لائحة اليونيسكو للتراث الإنساني (لبدة الكبرى، حلب، تدمر، الموصل)..

حالة من الاستبشار وارتفاع سقف التوقّعات والأمل الناهض بالحراك الثقافي الذي يقوده صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة؛ والذي يعزّز من قيمة الثقافة ودورها في حصانة الفرد والمجتمع فكريّاً باعتبارها أداة فاعلة ومهمّة تعطي حاملها هويّته ونسقه الوجودي والمعرفي وتحدّد من ثمّ أفقه الوجودي ومرجعيّاته وتوجّهه وبما يؤدّي إلى تماسك المجتمع وفاعليّته باعتبار الثقافة أداة تكيُّف الفرد بمجتمعه وإطار ممارسة المجتمع لوظائفه.

ولا شكّ أن هذا الحراك وما يستصحبه من فعاليات وندوات وتكريم لرموز الثقافة الذين خدموا الوطن وغيرها من المناسبات؛ تأتي منسجمة ومتماهية بتناغم جميل مع الحراك الشامل الذي يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - ورؤيته الطموحة التي لم تغفل الجانب الثقافي كأداة تنوير مهمة تقتضي منّا الانفتاح على العالم من حولنا؛ انفتاح واعٍ وقوي ورصين يستتبع معه المحافظة على هويتنا دون تبديد لكياننا الثقافي المتّكئ على موروث غني وشاسع من الدين القويم وما يتفرّع عنه من القيم والمعارف والتحضّر والأخلاق.

بالأمس أعلن سمو وزير الثقافة عن استضافة "وزارة الثقافة" في العاصمة (الرياض) معرض "مدن دمّرها الإرهاب"، في الـ 25 من أبريل المقبل، لمدة 30 يوماً، وذلك بالتعاون مع معهد العالم العربي بباريس. وقد أشار سموه، إلى أنّ الهدف من استضافة المملكة لهذا المعرض، رفع وعي الجماهير والمجتمع بالتراث الحضاري والإنساني، وأهمية الحفاظ عليه، لا سيما في المدن العريقة والأثرية المسجلة في لائحة اليونيسكو للتراث الإنساني (لبدة الكبرى، حلب، تدمر، الموصل)، والتي تتواجد في مناطق الصراع والنزاعات بين الجماعات المتطرفة، وذلك عبر رحلة افتراضية وتجربة فريدة ضمن أحدث التقنيات.

وأكّد سموه أهمية هذا المعرض وأن : "استشعار المجتمع لأهمية التراث، هدف أساسي نتطلع إلى تحقيقه من خلال هذا المعرض، لأن التراث الحضاري والإنساني، يوثق التاريخ البشري الذي يُنبئنا بعوالم الحضارات السابقة، التي تعرضت إلى التدمير أو الإهمال بسبب أفكار متطرفة وإرهابية وجدت في بؤر الصراع، بيئة مناسبة لتهديد تاريخنا الإنساني والحضاري في منطقة الشرق الأوسط".

هذا التأكيد من وزير الثقافة يجدّد الثقة أنّ الفكر والتنوير هما من صميم العمل الثقافي؛ باعتبار الثقافة قوة ناعمة، ومن أنجع الوسائل وأنجحها لمجابهة الفكر الدوغمائي الإقصائي الذي يبدّد الطاقات ويدمّر الشعوب ويقضي على الحضارات والجمال والتمدّن وثمار العقول الحرّة النزيهة.

حراك يضع الثقافة في سياقها الإنساني والوجودي الخليق بها، ويحرّرها من التنميط والقولبة، ويمنحها فضاءات رحبة يتعزّز فيها الوجود الفكري والاجتماعي. فالثقافة بالمعنى الفكري، كما يوضحها علماء الاجتماع؛ تتّخذ طابعاً نقدياً يجعل المثقف ملتزماً بقضايا المجتمع والإنسان وكذلك محللّاً وكاشفاً للقضايا المحيطة به وفي الوقت ذاته يملك موقفاً نقديّاً يتّسم بالشجاعة الأدبية والمواجهة؛ وبالمعنى الاجتماعي الواسع تكون الثقافة هي تلك التوليفة من المعارف والمعتقدات والممارسات والتوجهات والأعراف والأخلاق والفنون، التي يكتسبها المرء خلال تنشئته كي يصبح عضواً فاعلاً في المجتمع.

ومن المهم الإشارة إلى المعرض "مدن دمّرها الإرهاب"، دلالات مهمة يأتي في مقدمتها غياب التسامح وانتشار ثقافة الكراهية والإقصاء التي تعتمد على شيطنة الآخر المختلف وعدم قبول الحوار معه بالإضافة إلى سبب آخر أشار إليه الراحل خيري منصور في مقال له؛ إذ يقول: "إنّ معظم ما جرى في التاريخ من حروب ونزاعات أهلية واحتلالات كانت من إفراز ذهنيّة تتأسس على عدم فهم الذات والآخر معاً؛ لأنّ معرفة النّفس تحرّره من الأنانية إلى حدٍّ بعيد، وتعلّم الإنسان أن يضع نفسه مكان الآخرين".

في المقابل تجدر الإشارة إلى غياب الفكر النقدي اللازم وكذلك الأعمال الروائية والقصصية والندوات في مشهدنا الثقافي التي يفترض انها تتصدّى لقضايا فكرية ومهمة كمجابهة التطرف والإرهاب وغياب التسامح وغيرها من القيم الإنسانية والحضارية النبيلة؛ حيث تبدو متواضعة وخجولة قياساً بمحاولات الآخر في التعاطي مع هكذا قضايا. ولعلّ هذا الحراك الثقافي اللافت يعلّق الجرس ونقرأ ونشاهد مبادرات تعكس حيوية ما نشاهده من حراك ثقافي لا سيما أن العنف النفسي للإرهاب ظاهرة تاريخية لا يمكن تقليص مساحة حضورها سوى بتجذير الوعي الكوكبي، كما يقول إدغار موران.