في المجتمع أصوات كثيرة تنادي بالبناء والتنمية، وتدلي بدلوها في صناعة الحياة، فحق لها أن تطرح وتشارك ما دامت ملتزمة بالخط الذي رسمه الإسلام للمضي فيه.. الإسلام الذي لم تؤطره التعصبات الفقهية، ولا الانحرافات الأخلاقية، ولا الآراء التطرفية..

في المجتمعات المسلمة صلاح قد شهد به التنزيل في قول الله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس" وهذه الخيرية ثابتة وملازمة لأمة محمد صلى الله عليه وآله، غير أن تقلبات الأزمنة، وتوسع العمران والأمكنة، تجعل من هذا الخير –أحيانًا- غير قادرٍ على الوقوف على قدميه لمواجهة تحديات العصر، وغير متكافئ بأهله حضاريًا مع الشعوب الأخرى من حولهم، وكثيراً ما تحدثنا عن هذا، حتى ظن بعضهم أنها مواكبة دعوية منا لمستجدات كنا لا ندري عنها شيئًا، وفي الحقيقة ليس الأمر كذلك فما دندنتا حول هذا إلا محاولة كمحاولات غيرنا للأخذ بزمام المسير وإعادة القافلة لمسارها، وليس عجزًا عن نثر مواضيع متفرقة لا تمت إلى الواقع بصلة!

وهذا أيضاً يفسّر أفعال وأقوال كثير من الذين يهمهم أمر النهوض بالمجتمعات المسلمة بغض النظر عن مراتبهم وتوجهاتهم أو تخصصاتهم، فالكل شريك في الحياة، وبالتالي فالحياة الكريمة الراقية هي صنيعة كل أفراد المجتمع، وهذا ما أرشدنا إليه ربنا بعد تذكيرنا بخيرية هذه الأمة "كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف" وقد تشبث بهذه الآية الكثير ممن نظر لآخرها دون أولها، وفسر نهيها وفق نهي نفسه، وقد صدرت الآية الأمر بالمعروف على أنه أول ما ترتقي به الأمة مراتب الخيرية، وليس المعروف هو ما شكّله قصر النظر في أذهان الناس فحسب، بل هو أوسع من ذلك بكثير، ولا يقتصر على العمل التعبدي الفردي، بل تعدى الأمر إلى تناول تنظيم المباحات وتقنين المعيشة بكل جزئياتها، وحيث أنا في مجتمع غلبت عليه النظرة الفقهية لكل صغيرة وكبيرة في الحياة فقد ظُلم أناس كثر من المفكرين والكتاب والمبدعين، وحوصرت أفكارهم وإبداعاتهم في زاوية "الهمس" وهي الزاوية التي تتوسع يومًا فيوم وتقابل بضدها ظلمًا تحت مبرر "وتنهون عن المنكر" انطلاقًا من المفهوم الفضفاض للمنكر الذي تناول كثيرًا من المباحات، وحصرًا لمفهوم المعروف في أروقة فقه العبادات.

إن في المجتمع أصواتًا كثيرة تنادي بالبناء والتنمية، وتدلي بدلوها في صناعة الحياة وفق منظورها فحق لهذه الأصوات أن تطرح وتشارك ما دامت ملتزمة بالخط الذي رسمه الإسلام للمضي فيه. الإسلام الذي لم تؤطره التعصبات الفقهية، ولا الانحرافات الأخلاقية، ولا الآراء التطرفية، فالإسلام قد نزل ليكون مصدر خير ورفعة لمتبعيه، ومسلك أمان ورفاهية للمتمسكين به، فإذا برز من أوساط هذه المجتمعات من يطرح فكرة ويكملها لتكون مصدر إيواء لكثير من الناس في دائرة بناء، أو إبداع أو تنمية، فحقه علينا النصرة بعد تفهم الفكرة، وكل ما في الأمر من مطلوب هو أن نوسع مداركنا لتصور الدين الحق، ونفسّر بأفعالنا ما ندعيه من أن الإسلام شمل كل شيء، وأن الكتاب لم يفرط بشيء، حتى إذا رأينا وسمعنا من يضع ما يراه لا يتنافى مع خيرية الأمة "حشرناه في زاوية ما قررناه" ونظرنا لفعله من زاويتنا وسددنا الزاوية التي نظر منها.

وقد أعدنا النظر في كثير مما طرحنا مسبقًا على طاولة الرأي الواحد، فأصبح أناس كثير يتمنون عودة شريط الحياة إلى الوراء ليتنعم بما كان محرمًا في شبابه مباحًا في شيخوخته، وآخرون كثر يشعرون بأنهم ظلموا لأن حظهم في الحياة كان وفق نمط معين.

ومازال الخير قائماً قادمًا، وما دامت هذه المجتمعات في حفظ الله تحت رعاية حكام حكماء لا يألون جهدًا في السير بشعوبهم إلى بر الأمان، فإن ما كان من خطأ سيتلاشى ويضمحل، ولن نكون سببًا في تندم هذه أو ذاك على حياة أمضاها مجبرًا على العمل برأي لا يراه حقًّا. هذا، والله من وراء القصد.