تشهد العلاقات السعودية الصينية تطوراً متواصلاً تمتد جذورها لقرابة "80" عاماً، وذلك يعود لحنكة القيادة السعودية لتعزيز التعاون والمصالح المشتركة مع كافة الدول، حيث تعد الصين المحطة الثالثة لجولة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، والتي ابتدأها من باكستان ثم الهند ضمن إطار تعزيز التعاون بين البلدان الصديقة للمملكة، وخاصة أن الصين دولة لها ثقلها السياسي الكبير على مستوى العالم، وتدرك بأن للمملكة دورا ومكانة كبيرة وذات مواقف إيجابية حقيقية مع العالم العربي والإسلامي بشكل خاص والإقليمي بشكل عام، والزيارة هي الثانية للأمير محمد بن سلمان إلى الصين، وكانت الزيارة الأولى العام 2016، في إطار تمتين العلاقات السياسية والاستراتيجية الاقتصادية بين القطبين الكبيرين السعودية والصين، والتي تربطهما ثقة سياسية عميقة، وعلاقات متطورة بوتيرة متسارعة، نحو مزيد من التعاون والتفاهم المشترك فيما بينهما في مختلف المجالات، ومن خلال دراسات منشورة وتقارير بأن العلاقة بين البلدين تمتد جذورها لقرابة 80 عاماً، وذلك حين قررت الرياض العام 1939 التمهيد لعلاقات سياسية قوية مع بكين، واستغرق تنفيذ هذا القرار ستة أعوام قبل توقيع أول معاهدة صداقة بين البلدين في 15 من نوفمبر 1946 في جدة، أما من 1949 وحتى 1979 لم يخلُ الأمر من علاقات واتصالات دائمة، لكنها لم تكن بذلك المستوى الرسمي رفيع المستوى، وحين بدأت جمهورية الصين الشعبية علاقاتها من جديد مع العالم، وفي تلك الفترة كانت العلاقات مستمرة بين البلدين في ثلاثة اتجاهات، أولها بدء عودة أول قوافل الحجاج الصينيين في نهاية السبعينات من القرن الماضي، وثانيها فتح طريق صادرات البضائع الصينية إلى السعودية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وثالثها وليس آخرها عودة العلاقات الرسمية السياسية بين البلدين بشكل فاعل وقوي، وخلال الفترة بين العامين "1991 و1998" شهدت العلاقات بين البلدين تطوراً ملحوظاً تمثلت في زيارات متتالية واتفاقيات تعاون رفيعة المستوى في مختلف المجالات، لتتوج بزيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- حين كان ولياً للعهد في 1998، لتعد حينها الزيارة الأعلى مستوى من ناحية الوفد الرسمي للجانب السعودي إلى الصين، وهي الزيارة التي وصف فيها الملك عبدالله الصين بأنها "أفضل صديق للسعودية"، وشملت العلاقات "السعودية - الصينية" مختلف أوجه التعاون والتطور من علاقات تجارية محدودة في السابق، واستقبال الحجاج الصينيين وصولاً إلى شكلها الرسمي العام 1990 بعد اتفاق البلدين على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بينهما، وتبادل السفراء، وتنظيم اجتماعات على المستويات السياسية والاقتصادية والشبابية وغيرها، وشهدت هذه العلاقات تميزًا كبيرًا انعكست إيجابا على تعزيز التعاون بين البلدين.

وكان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- قد زار الصين ثلاثة زيارات، الأولى العام 1999 حينما كان أميرًا لمنطقة الرياض، والثانية العام 2014 حينما كان وليًّا للعهد، والثالثة في مارس العام 2017م، حيث استقبله الرئيس الصيني في العاصمة بكين، وأكد خادم الحرمين في كلمته أثناء الزيارة "اعتزازه بمستوى العلاقات الثنائية والتعاون المشترك بين المملكة وجمهورية الصين، مشيراً إلى ما تمر به المملكة والصين من تحولات اقتصادية مهمة أتاحت فرصاً كبيرة لتعزيز الروابط الوثيقة بينهما، مشيداً بما تقوم به اللجنة المشتركة رفيعة المستوى بين البلدين من جهود لتعزيز العلاقات وتطويرها، وقال: نأمل أن يسهم التعاون الاستراتيجي بين المملكة والصين في تعزيز الجهود الدولية لمكافحة التطرف والإرهاب بوصفهما خطراً عالمياً، وفي تحقيق الأمن والسلم الدوليين، متطلعاً إلى أن تنتقل المباحثات العلاقات بين البلدين إلى مجالات وآفاق أرحب وبخاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمار والتعاون في علوم التقنية والفضاء، فيما أطلق الجغرافي الألماني فرديناند فون ريتشهوفتن في القرن التاسع عشر اسم "طريق الحرير" على الطرق البرية والبحرية التي كانت القوافل والسفن تسلكها مروراً بجنوب الصين، وعبر الروابط البحرية والبرية مع أنطاكيا التركية وجغرافيات أخرى، وهو الطريق الذي كان سبباً في ازدهار عدد كبير من الحضارات القديمة مثل الحضارة الهندية والرومانية والصينية وحضارات أخرى، وما بين القرن الـ 19 والقرن الـ 21 توسع "طريق الحرير" ليشمل الأرض والبحر والجو معاً، ولتصبح الصادرات والواردات لا تسلك طريق حرير واحداً، بل طريق الذهب والنفط والتحالفات الاستراتيجية، التي جعلت الاقتصاد السعودي يرسم طرقاً حريرية أخرى أساسها النفط، أما الحجم التجارة البينية بين المملكة والصين بشكل كبير منذ العام 2000، ففي العام 2005 نمت التجارة إلى 59 %، وتجاوزت السعودية دولة أنغولا كأكبر مصدّر نفط للصين، وتقوم شركة "سابك" السعودية بتصدير بتروكيميائيات للصين بقيمة أكثر من ملياريْ دولار سنوياً، وفي العام 2008 بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين والسعودية 32 مليار دولار، مما يجعل السعودية أكبر شريك تجاري للصين في غرب آسيا، وفي الربع الأول من العام 2010 وصلت صادرات النفط السعودي إلى الصين لأكثر من مليون برميل، وفي العام 2004 استثمرت شركة "أرامكو" السعودية في الصين بقيمة ثلاثة مليارات دولار لبناء منشأة للبتروكيميائيات في مقاطعة فوجيان جنوب شرق الصين، التي تعالج ثمانية ملايين طن من النفط الخام السعودي، إضافة إلى تصريحات السفير الصيني في المملكة العام 2018 السيد لي هواشين أن التبادل التجاري بين المملكة والصين ارتفع 18 في المئة خلال عام واحد، حيث وصل إلى أكثر من 50 مليار دولار في 2017، متوقعا أن تدعم مبادرة الحزام والطريق التعاون التجاري بين البلدين، كما أن زيارة الأمير محمد بن سلمان للعاصمة الصينية بكين العام 2016 وقع من خلالها اتفاقية مع نائب رئيس الوزراء الصيني لإنشاء لجنة مشتركة سعودية صينية، حيث تم الاتفاق أيضاً على محضر أعمال الدورة الأولى لهذه اللجنة، وخلال اللقاء بين ولي العهد السعودي ونائب رئيس مجلس الدولة الصيني تم توقيع 15 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين الحكومتين الصينية والسعودية في مجالات متعددة من أبرزها الطاقة وتخزين الزيوت ومجالات التعدين والتجارة، وكذلك تم توقيع اتفاقية مع وزارة الإسكان السعودية لإنشاء مدينة جديدة في ضاحية "الأصفر"، وتوقيع اتفاقية أخرى لتنمية "طريق الحرير المعلوماتي"، كما شملت الاتفاقيات مذكرة تفاهم بين وزارة العلوم والتكنولوجيا الصينية ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية للتعاون في المجال العلمي، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الموارد المائية.