حذرت مدير صندوق النقد الدولي السبت الماضي من ارتفاع الدين العام في المنطقة العربية وتسارع وتيرته منذ الأزمة المالية العالمية 2008 وغيرها من الاضطرابات الاقتصادية الكبيرة التي سادت خلال العقد الماضي، فعمّ تتحدث كريستين لاغارد ولماذا لم يتمكن العالم من معالجة آثار الأزمة الاقتصادية خلال العشرة أعوام الماضية؟

بالفعل فإن أزمة الرهن العقاري 2008 قد جاءت لتكشف المستور، والمستور هو أنه منذ ثمانينات القرن المنصرم وأصحاب الثروات في الولايات المتحدة وأوروبا لا يعجبهم أنه منذ الحرب العالمية الثانية وحصتهم في كعكة الثروة الوطنية في تقلص مستمر، في الوقت الذي تزاد فيه نسبة الأجور في الناتج المحلي الإجمالي، ولذلك ومن أجل تغيير المعادلة السابقة والحصول على عوائد هائلة بالإضافة إلى الأرباح التقليدية استخدم أصاحب الثروات نفوذهم من أجل تغيير التشريعات وأضعاف دور الدولة في تنظيم الاقتصاد في بلدانهم وبقية أنحاء العالم، الأمر الذي فسح المجال لهم، منذ ثمانينات القرن المنصرم، بالتوسع في المضاربات والعمليات المالية ضمن ضوابط أقل في بلدانهم فتشكلت ما يعرف بالأهرامات المالية التي أدت إلى بروز فقاعات من الديون الهائلة، التي تراكمت مع بعضها وشكلت فقاعة ضخمة انفجرت العام 2008.

أما في بقية بلدان العالم فقد أوكلت مهمة أضعاف دور الدولة في تنظيم الاقتصاد إلى منظمة التجارة العالمية، وهكذا أصبح مبدأ: «الدولة الأولى بالرعاية» الذي اخترعته المنظمة مثل السيف المسلط على رقاب البلدان النامية التي يحتاج فيها الاقتصاد النامي إلى حماية الدولة من خلال التسهيلات الائتمانية والحماية الجمركية، ولذلك فليس مصادفة أن تتراكم المشكلات الاقتصادية في الشرق الأوسط منذ العام 1995 عندما تم إنشاء منظمة التجارة العالمية.

ورغم أن منظمة التجارة قد دخلت أزمتها، شأنها شأن كل ما له علاقة بقطر بعد جولة مفاوضات منظمة التجارة العالمية في الدوحة العام 2001 ضمن الاجتماع الوزاري الرابع للمنظمة، فإن مبدأ «الدولة الأولى بالرعاية» لا يزال سيفا يفتح أسواق هذه البلدان لمصلحة المراكز الصناعية، فهذه المراكز منذ العام 2008، وهي تحل أزمتها على حساب الأسواق النامية، فالتيسير الكمي الذي تتبعه هذه المراكز يؤدي إلى ارتفاع التضخم الذي أطلق الشرارة للأحداث المأساوية التي شهدها الشرق الأوسط العام 2011. كذلك فإن سياستها غير العادلة في تسعير مواد الخام ومن ضمنه النفط تؤدي -من خلال الضرائب المفروضة عليه- إلى حصول تلك المراكز على عائدات لا تقل عن المداخيل التي تحصل عليها البلدان المصدرة له، وهذا كله يساهم في ارتفاع حجم الدين العام في الناتج المحلي الإجمالي الذي تتحدث عنه لاغارد.