الفلسفة هي الوعي الإنساني الذي يغشانا في لحظات الصفاء، والأدب يقول ما يحيك في ضمير الفلسفة، سواء في التاريخ أو غيره؛ لذلك على الأديب أن يأخذ بيد جمهوره، محاولاً غرس حب حقيقي للأدب والفكر بداخلهم. ومن أجل التوصل إلى معرفة واعية بدور الأدب في التقدم، كان لا بد من عرفة دور الفلسفة وتأثيرها الكبير في الأدب؛ وعندما نذكر فولتير الذي دخل عالم الإبداع من باب القصة والرواية والمسرح والفلسفة، فقد كتب كثيرا في القصة الفلسفية؛ حيث إن شهرته الأدبية ترجع إليها، وهي وسيلة مهمة للتعبير عن نقده وفلسفته وآرائه في السياسة والدين والمجتمع.‏

وقد تجلى في قصصه فيلسوفاً حراً، وفناناً موهوباً، وهو يمزج الواقع الفرنسي الأليم بمغامرات أبطاله، وتأملاته الفلسفية، بالمخاطر والأهوال، متسللاً -دائماً- عبر أبسط حدث، ليقول ما يريد أن يقوله، وليعبر بكل حرية عن المعاناة، وينتقد الاستبداد والظلم والطغيان. ولقد أسهم فولتير في خدمة الفن القصصي؛ حيث امتاز بالتدفق والوضوح، ولم يجد لقصصه إطاراً أفضل وأجمل من الإطار الشرقي ليصب فيه أفكاره وتأملاته، ففي كل قصة من قصصه موضوع فلسفي معين، أو مجموعة قضايا فلسفية، يربط بينها ربطاً محكماً.

أما أبطاله فهم من فئات اجتماعية مختلفة، وهم يرقصون في الوجود الإنساني، وكأنهم دمى مشدودة إلى أصابع فولتير يحركها كيفما يشاء. لذلك لم يعد البعد الفلسفي يقتصر تأثيره في الجوانب الدلالية للنص والمحتوى، وإنما تجاوز ذلك إلى اللغة والأسلوب وطريقة تنظيم المعاني وخصائص البنى الجمالية بصفة عامة. أيضاً زاوج سارتر بين الأدب والفلسفة، ففي رواية سارتر (الغثيان -1938) وكثير من مسرحياته تجلى الفكر الفلسفي في سياق قصصه بشكل مدهش؛ حيث تشكل قصصه من خلال دلالتها وألفاظها ومضمونها موقفاً فلسفيا وجودياً، حيث كانت رواية (الغثيان) بذرة وركيزة أساسية في أعماله المعبرة عن موقفه الوجودي، وبعد ذلك نشر روايته الكبيرة (دروب الحرية - 1945/1947) التي تؤكد موقفه وفكره الوجودي أيضًا، وتلاها (الأبواب المغلقة) و(الدوامة)، وقد كان لها بالغ التأثير في جمهوره الذي أحبها، ويمكن اعتبار جون بول سارتر، أوسع الوجوديين تأثيراً في أدباء العصر من جهة، وأكثرهم عناية بالبحث في وظيفة الأدب من جهة أخرى؛ وقد لاقت فلسفته/ نظريته في الأدب ترحيباً قوياً عند كثير من المثقفين والنقاد في مختلف أرجاء العالم، الذين وجدوا في آثاره بذور التفكير العميق الملتزم، واتجاه التحرير الفكري والسياسي والاجتماعي.

وقد كانت القصة في فلسفة سارتر تتخذ شكل موقف في الحياة، وعملية اكتشاف لما وراء التفاصيل العادية؛ لذلك يعتبر النص القصصي الفلسفي ليس هو ذلك النص الذي يحمل من الفلسفة واجهتها النظرية فقط، بل إنه يمتلك ما هو أكثر عمقاً، عملية التفلسف القائمة أساسًا على الموقف والبعد، من دون أن يفقد جماليته، وتفرده الخاص المميز؛ ‏فبعد أن تطورت العلاقة بين القصة والنقد، وانتشرت الأفكار الفلسفية، جاءت التجربة القصصية الفلسفية لتؤكد عمق النص القصصي، الذي تحكمه شروط مختلفة، وعلى الرغم من أن القاص والمتلقي يعرف أحدهما الآخر من خلال النص القصصي، ويتصرفان وفق هذه المعرفة، إلا أن القاص لا يعرف شيئاً عن متلقيه، ولا يعرف كيف ستكون قراءته لنصوصه، كما أنه يجهل الوضع الاجتماعي والثقافي والفكري والنفسي للمتلقي، إنها ورطة، ولكنها ورطة ممتعة.