يروى أن سيدة صينية كانت تملك وعائين تملؤهما بالماء يومياً من النهر ثم ترجع إلى بيتها، كان أحد الوعائين سليماً لا عيب فيه بينما الآخر كان مثقوبا يتسرب الماء منه، وكل يوم وبعد العودة للمنزل تصل السيدة وقد تسرب نصف كمية المياه في الوعاء المثقوب، ومرت الأيام والوعاء السليم يتباهى بحسن أدائه بينما الوعاء المثقوب غارق في الخجل من تسريبه للمياه، وبعد عامين قرر الوعاء المثقوب أن يستجمع شجاعته ويعبر عن حزنه وأساه للسيدة الصينية المالكة له. فما كان منها إلا أن أجابته: "هل رأيت الورود الجميلة على جانب الطريق إلى النهر؟ لقد زرعت تلك الورود بيدي وكنت أسقيها يومياً بالماء المتسرب منك، وكلما قطفت ورداً وزينته في منزلي شعرت بسعادة بالغة وكل ذلك بفضل الماء الذي يتسرب منك كل يوم!"، هذه القصة وإن كانت خيالية إلا أنها قد تعبر عن جزء مهم في الثقافة الصينية والمتمثلة في الاستفادة من الأوضاع القائمة بمشكلاتها وتحدياتها بأفضل صورة ممكنة.. ولو نظرنا لحال الصين بعد الحرب العالمية الثانية فقد كان حوالي ثمانون بالمئة من الأطفال لا يدرسون في المدارس الابتدائية، والمتعلمون لا يتجاوزون عشرين بالمئة من السكان فقط ناهيك عن وضع اقتصادي هزيل.

أما اليوم، فالصين هي ثاني أكبر الاقتصادات العالمية، ورقم عالمي مهم في التجارة الخارجية والتصنيع حيث إن تسعين بالمئة من إجمالي المنتجات التقنية في العالم تصنع في الصين، كما أن بكين قادمة بقوة في مجال الفضاء ببناء قاعدة على القمر ناهيك عن استثماراتها في مفاعلات الاندماج النووي البارد. وفي مجال الذكاء الاصطناعي أعلن الرئيس الصيني (تشي جين بينغ) أن هدف الصين أن تكون هي الدولة الرائدة عالميا في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة الأخرى بحلول العام 2030. ويرى الخبراء أنه حتى ذلك العام ستتبوأ الصين المرتبة الأولى في الاقتصاد عالميا متجاوزة الولايات المتحدة الأميركية بل هنالك توقعات في العام 2040م أن يكون حجم الاقتصاد الصيني 51 تريليون دولار مقابل 36 تريليون دولار للاقتصاد الأميركي.

وبالنسبة للصين، فمن التوجهات الاستراتيجية حالياً التوسع في بناء الشراكات الدولية التي تسمح بتصدير المنتجات الصينية ودخول الشركات والاستثمارات الصينية للأسواق العالمية في سبيل تعزيز وضعها الاقتصادي والاجتماعي والتنموي ناهيك عن السياسي..

وختاما، تأتي زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الصين ومن قبلها الهند وباكستان لإعادة تأكيد متانة العلاقات مع هذه الدول والتطلع القوي لبناء شراكات قوية فالمملكة العربية السعودية رقم مهم في الساحة الدولية لاعتبارات كثيرة اقتصادية وسياسية وتنموية. وإذا كانت العلاقات الرسمية بين الرياض وبكين قد بدأت قبل ثلاثين عاماً العام 1990م، فهذا تطبيق ممتاز للحكمة الصينية: "أفضل وقت لزراعة شجرة كان منذ 20 سنة، وثاني أفضل وقت للزراعة هو الآن".