سنندهش إذا ما علمنا أن أجدادنا هم أول من أسس للديموقراطية في هذا العالم قبل الإغريق، فهم قوم يحترمون رأي الآخر صغيرهم وكبيرهم، كلٌ يشارك برأيه، ولا يُستثنى منهم أحد، ذلك نابع من تكوينهم واحترامهم لإنسانية الفرد منهم..

كلنا عشنا آمالاً وأماني، وجميعنا نحيا بالأمل، فكما أن للماضي عبقاً فله أسى أيضاً، يتوازيان إلى الأمد البعيد، فلا يلتقيان وتلك هي شيم الخطوط المتوازية على الدوام! فهل حكم الله علينا بالمضي دوماً في المتوازيات؟ لا والله إنه لو علم الواحد فينا ما يعتمله حب معرفة لانثنت تلك المتوازيات لنصبح جميعاً في دائرة مفعمة بالوئام والنهضة والعلم، ذلك أنها بنيت في أصلها على المعرفة المشبعة بالحكمة.

ولا نبحر في طرح فلسفة المعرفة التي حيرت العلماء والفلاسفة حتى يومنا هذا فلو كان قد حصل عليها سيدنا آدم عليه السلام لما خرج من الجنة. فالجهل بالمعرفة هو دائماً سبب شقاء البشرية هنا عدم القدرة على إيقاظ الوعي وشحذه نحو ميزان الحكمة وتدبر الأمور؛ فلماذا هذا الخوض غير المبني على علم أو حكمة أو تدبر في سباق محموم نحو البحث عن دور، وعلى حساب الآخر إن جاز التعبير!

أذكر حينها أن رفض أحدهم وجود السيارة فأحضر له الملك فيصل جملاً وقال اعتلِ سنامه ولا حاجة لك بالسيارة فأسقط في يده! إنه البحث عن طفو الذات وهذا ما أودى بنا إلى التراجع سنين عديدة!

كان أجدادنا في الماضي القريب أفضل حالاً منا بالرغم مما وصل إليه هذا العصر من تقدم، ذلك لأنهم كانوا متحابين متآزرين ينعمون بما أسمته الفلسفة اليونانية (الديموقراطية). وسنندهش إذا ما علمنا أن أجدادنا هم أول من أسس للديموقراطية في هذا العالم قبل الإغريق، فهم قوم يحترمون رأي الآخر صغيرهم وكبيرهم، كلُ يشارك برأيه، ولا يستثنى منهم أحد، ذلك نابع من تكوينهم واحترامهم لإنسانية الفرد منهم، فكما أن الأرض والآبار والشجر وكل خزائن الأرض، هي من حق كل منهم وبدون استثناء، فكذلك الرأي وحرية الكلمة. فيرى كل فرد لنفسه الحق مهماً كان صغيراً في إبداء رأيه، لكنهم لا يرون ذلك شأناً خاصاً، وليس للبحث عن دور كما نراه اليوم، فالواحد منهم عليه ألا يتدخل في شيء دون الآخرين، بل إنه يعتقد أن ما يهم أي فرد في مجتمعه يهمه هو كذلك، ولهذا كانوا هم أول من ابتدع مفهوم" الديموقراطية" وحرية الرأي والتعبير منذ العصر النيوليتي "5400، قبل الميلاد" لأن هذه المنطقة (جنوب غرب آسيا) في العصر النيوليتي كانت مركزاً لجميع الحضارات القديمة.

ومن خصائص ازدهار الحضارة في أي بقعة من بقاع الأرض حرية التعبير. فهو من يمتلك "الحكمة". فحين بدأ أرسطو كتابه السياسة، كان مهتماً بطبيعة الحال ومشغولاً بالعلاقات الداخلية التي تهيئ للمدينة فرصة الوجود، ولم يكن مشغولاً على الإطلاق بالمدينة في مظهرها الخارجي كدولة ذات سيادة، لأنه يرى أن الإنسان وحده دون سائر المخلوقات من يمتلك المنطق "logos". واللوجوس يعني شكلاً أكبر من القدرة على الكلام، بل يدل على العقل والتفكير والأخلاق "الحكمة" ومن هنا كان الفرد لديه هو المدينة.

يقول رالف لنتون في دراسته التي أجراها في مؤسسة فرانكلين في نيويورك متحدثاً عن العصر النيوليتي 5400 عام ق. م. في منطقتنا "جنوب غرب آسيا": "إن القرى كانت تسكنها مجموعات صغيرة تعيش في مجمع واحد، فإن السلطة الحقيقية كان يمارسها زعماء العائلات"، ولكنهم لا ينفردون بسلطة الرأي فهو يقول: "كان الرجال يحبون الاجتماع في مكان يرتاحون إليه في القرية، وغالباً ما كان الجرن الذي يدرِسون فيه الحبوب، وهناك يناقشون أمورهم المهمة عندما تقل حرارة الجو في السماء. وكان لكل عضو في القرية الحق في أن يقول ما يؤمن به في أي أمر من الأمور، وكانوا يستمعون باحترام إلى الرجال ذوي المكانة. وكانوا يوافقون بالإجماع على القرارات التي يصل إليها المجتمعون. ولم يكن هناك من يحب أن يجد لنفسه الشخص الوحيد الذي يدافع عن رأي لا يشاطره فيه أحد، فكان لكل قرية في العصر النيوليتي مجموعة من العادات التي تحدد علاقات الأشخاص فتصبح قانوناً".

أما في أثينا وفي نفس هذه الحقبة الزمنية وما قبلها، فقد كانت كما وصفها آي. اف. ستون: "بأن في أثينا وفي دول المدن الأغريقية عامة هي صراع طبقي بين حزبين، وقد اتفق الطرفان على أن يجري الحكم بواسطة المواطنين، لكنهم اختلفوا على حجم المواطنة وسعتها، فهل يقيد بحق المواطنة كما في النظم الأولجاركية "حكم الأقلية" أم يجب توسيع هذا الحق كما في النظم الديموقراطية؟".

إن ما نخطه عن الماضي ليس تمسكاً بأهدابه بقدر ما هو يقين بأن يعتمل ذلك الجسر بين تلك الحضارة وبين حاضرنا الذي أصبح جزءًا من العالم، ولذا ننكر أقوال سالف الذكر حول ما يبثه من آراء ومشاركات عبر التواصل الاجتماعي عن كل ما هو قائم من تحديث وتنوير وهو بطبيعة الحال ينكر الاطلاع على ثقافة العالم، فهل يعقل هذا الأمر المدمر للنهضة والتطوير؟!

أذكر أن طالبة ماجستير قدمت بحثاً حول تأثر أسلوب المدح في الدعوة، فما كان من مشرفها إلا أن رفض كل مراجع علم النفس بالرغم من أن الدراسة تحتاج المنهج النفسي! معللاً ذلك بأن علوم الغرب مرفوضة، ولذا ظهرت الدراسة باهتة أحادية الرؤية!

لم يعد للفردية ونبذ الآخر مكان في يوم تبحث فيه الدول عن نهضتها وتقدمها فلا تنكفي على نفسها فتصبح مبتورة الأذرع إن نحت هذا النحو. يقول الشاعر:

قد هيؤوك لأمر لو فطنت له

فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل