الحبّ حاجة إنسانية تهز عاطفة البشر، وهو شعور خالص ونقي، ومشاعر المُحب تسمو به للأفق الواسع، ويعتبر حب الوطن من أصدقها؛ فهو أمر فطري مجبولة عليه النفس، وهو عالم محبب إلى القلوب، وأثير في النفوس، فهو موضع الصبا، ومدرج الخُطى، ومكان النشأة، ومهد التاريخ.

يعد الانتماء للموطن والفخر به من الشيم والأخلاق الرفيعة، بل هو عنوان المواطنة والحب الحقيقي للأرض والمجتمع والأهل وعنوان أصالة الشخص وقيمته في نفسه وفي مجتمعه أيضاً، كما أنه دليل على صفة الوفاء والنبل في الإنسان أن يحب أهله وموطنه وينتمي لجماعته ويعتز بها، ويعد ذلك من مكارم الأخلاق، والشعراء هم أكثر من عبر بصراحة ووضوح وولاء وارتباط عن الانتماء إلى الموطن ومحبته والأرض التي نشؤوا عليها ومحبة رجالها، فلا يكاد يخلو شعر أحدهم من أبيات للوطن من مدح واعتزاز وفخر وحنين؛ بكونه من ذلك المكان وجزءاً من ذلك المجتمع الذي يعيش فيه، ووصف الشعراء ديارهم وأراضيهم بكل أحاسيس الشوق لها ولماضيها وحاضرها ومجدوها ومدحوها وفاخروا بها، وتبعاً لذلك إظهار الفخر برموز الوطن ورجاله العظماء الذين جعلوا منه منارة ومصدر استقرار وبيئة سلام.

في تحفة شعرية أطل علينا الشاعر الأمير فيصل بن سيف الإسلام بن سعود بقصيدة لها طابع أدبي مميز، وتحمل روحاً ملؤها المحبة والوفاء والفخر للوطن ورجل الوطن الأول محمد بن سلمان، قصيدة تحمل ما يكنه الجميع في نفوسهم، صاغها الشاعر بلغة منطقية عميقة، ومشاعر عاطفية صادقة، جعلها في لوحة شعريّة منسوجة بإتقان ومهارة، أضفت الهيبة والعظمة على بنائها وتركيبها:

محمد يا عشق شعبك ونبضه ياللي دارك عيوننا

ياللي حصنك قلوبنا

يا غلانا لك

وفانا ما حيينا

وزاد من بهائها وروعتها الفنان إبراهيم الحكمي، الذي صدح بها في أداء غنائي رائع وجميل، تجلت فيه قدرته على تغلغل الكلمات في داخله والتفاعل معها في أكثر من موضع. واختيار اللحن المناسب لمحتوى القصيدة لم يكن بالأمر السهل؛ فبقدر ما توحي الأغنية بجوها الرومنسي الهادي إلا أنها تحمل وقفات تنقلنا لعالم الشموخ والعزة في نقلات موسيقية موزونة وعزف رشيق وسلس يصوّر لنا المشهد وكأنه صورة بانورامية تتحرك أمامنا، بالذات في هذا الجزء من الأغنية:

حنا شعبك.. حنا قلبك.. حنا سيفك وغمدك

عن حمانا

ذي دمانا

يا دارنا ولا شي يمسك

يتمثل حب الوطن فعلياً بالشعور بالانتماء الحقيقي له، وأن يتم ترجمته لأفعال حقيقية تُعبّر عن صدق ذلك الحب، والحرص على المصلحة، والمساهمة في الحفاظ على أمنه وأمانه، وتجنّب نشر الفتن والكراهية بين الناس، أو إيذاء الآخرين، قالت العرب: إذا أردتَ أن تعرف الرجل فانظر كيف تَحبُّبُه إلى أوطانه.. ويقول الشاعر:

وللأوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ

يَدٌ سَلَفَتْ ودَيْنٌ مُسْتَحَقُّ