مخلفات الثورات العربية والتحولات الجذرية التي تعرضت لها كثير من الدول العربية، أسهمت في تذبذب واضح في معايير الأولوية بالنسبة إلى القضايا السياسية الأساسية في المنطقة، سواء من جانب الشعوب أو الحكومات، ومنها بالتأكيد القضية الفلسطينية..

ماذا يمكن قوله اليوم عن علاقة معقدة تاريخيا، تجمع ثلاثة أطراف، تبدو في واقعها أنها متناحرة تاريخيا، ولكن الأزمة الحقيقية أنها جميعا تتقاسم الحديث عن القضية الفلسطينية، والجميع يدافع عن حقوق تاريخية تخص الطرف الذي يؤيده، وفي التوقيت ذاته تحمل شعوب هذه الدول المشاعر والأفكار نفسها، التي صاغها التاريخ خلال ما يزيد على سبعة عقود مضت، أنتجت صلابة كافية لتجميد الأفكار وجعلها تبدو عصية على الحل والتقدم.

لو افترضنا أن مثلثا سياسيا رسم أمامنا بمكونات تشمل هذه التجمعات الثلاثة، واحتل كل طرف من هذه الأطراف (العرب، إيران، إسرائيل) زاوية في مثلث تاريخي يمتلئ بمكونات قضية واحدة، فماذا يمكن أن نتعلمة تاريخيا لصياغة علاقات منطقية رياضيا بين زوايا هذا المثلث "أ، ب، ج"؟ هذه الفكرة قبل أن أتحدث عنها، ليست لها علاقة بالتطبيع سواء تأييدا أو رفضا، ولكن لها علاقة بمستقبل المنطقة وحقوق تاريخية لا بد من حفظها لجميع الأطراف الفعلية في قضايانا التاريخية.

لم تكن الصورة التاريخية للقضية الفلسطينية مثلثا ذا أطراف ثلاثة كما نشهده اليوم إلا بعد الثورة الإيرانية، التي وجدت في القضية الفلسطينية مسارا مناسبا لدعم الأيديولوجيات العميقة، التي اعتمد عليها الخميني لتحقيق أهداف ثورته، العامل المشترك الوحيد الذي سمح لإيران بالدخول إلى بوابة القضية الفلسطينية كان البعد العقدي؛ كون إيران دولة مسلمة، ولكنها تاريخيا ليست لها علاقة بالعرب سوى أنها تحتل جزءا كبيرا من أرض العرب على ساحلها الغربي.

هذه المعطيات تشرح بشكل واضح ضرورة النظر إلى إيران على أنها دخيلة على مشروع القضية الفلسطينية، وأن وجودها الفعلي في القضية ولد خلال العقود الأربعة الماضية، وأسهم في تشتيت جهود السلام مرات كثيرة، من خلال ممارسات سياسية وأيديولوجية ومالية أسهمت كثيرا في خلط الأوراق وبعثرة الجهود، ولا يمكن استبعاد أن إيران كانت تعمل عمدا على قطع كل جهود دولية من أجل القضية الفلسطينية، من هذا الاستنتاج يمكن القول إن أطراف المثلث المشار إليه يوجد فيه طرف مستجد في القضية، وهنا يجب أن نجادل بمنهجية عملية، كيف يمكن أن نستخلص جهود الأطراف المكونة لهذا المثلث من أجل الانتقال إلى مرحلة جديدة في إيجاد حلول لهذه القضية؟

إيران أدت دورا سلبيا كان وما زال يدعو إلى الحد من التواصل مع الأطراف الفاعلة في القضية الفلطسينية حتى بين الفلسطينيين أنفسهم، فضلا عن الفرقة التي أسهمت إيران في صناعتها بين العرب وتحديدا في سورية والعراق ولبنان، وتصرفت بهذه الصورة لتكريس الرفض لمشروعات السلام التي تبناها العرب، وكانت تقوم بذلك العمل كنائب عن القاعدة الشعبية العربية، التي لم تكن إيران تمثلها في الواقع، ولكنها استثمرت بعدا طائفيا قذرا لتحقيق الأهداف.

الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي مهما قيل عنه فهو متغير تاريخيا من حيث الأولوية للشعوب والدول، وذلك بحسب الحالة السياسية والأوضاع الإقليمية والدولية، وبالتأكيد فإن مخلفات الثورات العربية والتحولات الجذرية التي تعرضت لها كثير من الدول العربية، أسهمت في تذبذب واضح في معايير الأولوية بالنسبة للقضايا السياسية الأساسية في المنطقة سواء من جانب الشعوب أو الحكومات، ومنها بالتأكيد القضية الفلسطينية.

خلال العقود الأربعة الماضية، تصاعدت تدخلات إيران في المنطقة، ووُجِدت إيران في دول عربية مهمة كلبنان والعراق وسورية، وأصبحت تهديدا واقعيا يجب العمل على إزالته، وسمحت الإدارة الأميركية السابقة في عهد الرئيس أوباما بمزيد من المساحات السياسية، ووقعت تلك الإدارة اتفاقا نوويا مع إيران، أربك المنطقة، وغيَّر كثيرا من القيم والمعادلات السياسية، ومع مجيء الرئيس ترمب، اكتشف أنه لا بد من تصحيح الأخطاء الاستراتيجية التي تم ارتكابها في عهد الرئيس السابق.

اجتماع "وارسو" للشرق الأوسط جزء من سياسة أميركية للحد من نفوذ إيران في المنطقة، وهذا ما يتطلب النظر بدقة إلى أضلاع المثلث الذي تحدثنا عنه لبناء نظرية عقلانية تحدد العلاقة بين الأطراف التي تحتل زوايا ذلك المثلث (العرب، إيران، إسرائيل)، خاصة أن إيران لديها من الخبث ما يجعلها تفكر في ضمير العبد وليس السيد في سبيل مصالحها عندما تكون في مواجهة مع إسرائيل، على الجميع الفهم أن "وارسو" قضية إيران وليست قضية فلسطين، ولكن عبر وارسو يمكن إخراج إيران من ذلك المثلث، وتغيير المعادلة في القضية الفلسطينية إلى خط مستقيم من طرفين فقط، هما العرب وإسرائيل فقط، وهنا يمكن بحث الحلول الممكنة والمفيدة للفلسطينيين والعرب وإسرائيل.