قبل أيام اطلعت على خبر تصنيف سابك كثالث أفضل علامة تجارية في العالم من حيث القيمة في صناعة البتروكيميائيات، وذلك وفق تقرير نشرته وكالة براند فاينانس، وشمل هذا التصنيف أهم شركات الكيميائيات في العالم.

وكانت الشركتان اللتان تفوقتا على سابك هما شركة BASF وشركة داو كيميكال، واللتان تأسستا قبل سابك بفترة تقارب قرناً من الزمان. فقد تأسست الأولى عام 1875 وتأسست الثانية عام 1865، بينما تأسست سابك عام 1976. إن هذا الفارق الزمني الكبير، يستحق الوقوف عنده والنظر فيه وفهم مدلولاته. كيف استطاعت سابك التي كان أساس تكوينها هو استخدام الغاز المصاحب والذي كان يهدر بأن يستخدم في صناعة البتروكيميائيات والحديد والأسمدة بشكل كمي في بداية أمرها، إلى أن تتخصص في قطاع البتروكيميائيات بحكم طبيعة الغاز المصاحب.

إن قوة سابك تعزى أساساً إلى أنها تخصصت في كم هائل من المنتجات الدفاعية والأساسية في حياتنا كما امتلكت قدرات السيطرة في إنتاجها ابتداء من حالة الغاز وانتهاء بحالة البلمرة، وهذا ما فتح الأبواب على مصراعيها لسابك لتعمل مع كبريات الشركات الخارجية داخل أوطانها بعيداً عن موطن اللقيم الرخيص المتوفر في المملكة والذي يعد الميزة التنافسية الأساسية وشبه الوحيدة للصناعة في المملكة وخصوصاً البتروكيميائيات وليس فقط سابك، فمثلاً شركة اكسون موبيل في أميركا عقدت شراكة مع سابك في الولايات المتحدة، وساينوبك في الصين. وربما تكون سابك هي أول شركة سعودية تدخل الصين كشريك وأول شركة سعودية تستثمر في الغاز الصخري في الولايات المتحدة لقدرة السيطرة على الإنتاج بكفاءة عالية وهو ما لا يمتلكه كثير من المنتجين الجدد، وما يؤكد ذلك تباين الأسعار بين الاثلين الذي انخفض كثيراً وبقاء سعر البولمرات المشتقة في نطاق طبيعي. أما مصدر القوة الثاني لسابك، فإنه يتمثل في معرفتها بتلك الأسواق المستهلكة لمنتجاتها وقدرة تسويقها. فحتى في أوقات الأزمات المالية والتباطؤ الاقتصادي، لم تتأثر سابك حيث استمرت تعمل بقدرات إنتاج اقتصادية وتبيع كل إنتاجها.

ورغم امتلاكها أكثر من 20 مركز أبحاث حول العالم، إلا أن توجه سابك نحو الاستثمار في الصناعة خارجياً، ليس فقط لتوفر مصادر جديدة للقيم ولكن لوجود بيئة أبحاث وتطوير تساعدها في الدخول تدريجياً في مجالات وصناعات كيميائية أخرى مثل: إنتاج البولي كربونايت الذي يمتلك أسواقاً ذات طبيعة أكثر تذبذباً وتأثراً بالعوامل الاقتصادية أكثر من المنتجات الأخرى لـ سابك.

إن امتلاك البحث والتطوير مهم جداً لكنه يظل فقط الخطوة الأولى، كما أن الدخول إلى أسواق جديدة تلحقه خطوات أخرى تتمثل في تحسين القدرات الإنتاجية، والأهم من ذلك خلق سوق لبعض المنتجات دون إغراق هذا السوق وإحداث تخمة في المعروض، كما فعلت بعض شركات البتروكيميائيات الصينية. من جهة أخرى، فإن أكبر شركة بتروكيميائيات BASF هي الأكثر تذبذباً بحكم ارتباط أغلب منتجاتها بصناعة السيارات المرتبطة بالدورات الاقتصادية.

وبرغم اهتمام سابك بالابتكار والتقنية منذ فترة ليست بالقصيرة، وهو لا يزال أحد أعمدة تطورها الحالية وأحد أهم العناصر لنمو في صناعة البتروكيميائيات، حيث تشهد حالة من التحول تسعى من خلالها إلى تحقيق الاستدامة بما يخدم استراتيجيتها للعام 2025 فإن نجاح سابك والنمو المتواصل يستحق التقدير، كما أن مواجهتها التحديات المقبلة تستحق التشجيع للدخول في أسواق ومنتجات جديدة متنوعة، وتلك مسألة ليست سهلة وتستغرق وقتاً. كما أن ذلك يتزامن مع حقبة يشهد فيها العالم تغيرات كبرى مثل مكافحة الأنظمة لاستهلاك البلاستيك وتطور التقنية الرقمية التي ألغت الكثير من المنتجات الملموسة، كما أن الصناعة البتروكيميائية تتجه الآن لأخذ حصة من سوق المعادن لصالح المنتجات المبتكرة ويظل ذلك محدود النمو قياساً بالنمو العالمي. هذه تحديات كبيرة تواجه كبرى شركات البتروكيميائيات وقد تكون فرصة لسابك لتتجاوزها بعد عقد أو عقدين من الزمان، وطموحنا لا يتوقف عند المركز الثالث.