الكل يتحدث عن أهمية التعليم وأنه يواجه أزمة، وهذه الأزمة موجودة منذ أن خلقني الله في هذه الدنيا، ولم أرها تصغر بل كل يوم تكبر وتزداد وتتفاقم، لكن كلنا أمل أن يتغير هذا الوضع قريباً، فالحماسة الكبيرة التي يبديها معالي وزير التعليم كفيلة بأن تحدث التغيير..

ما تحتاجه المملكة خلال الفترة الحالية والقادمة هو تعليم متطور يتوافق مع رؤية 2030، ولكن السؤال الأكثر تعقيداً هو كيف يمكن تحقيق هذه الحاجة التي تبدو بسيطة وواضحة في ظاهرها لكنها تحمل في طياتها تعقيدات غير عادية عند البدء في تنفيذها؟ الأفكار التي يطرحها معالي وزير التعليم - وقد تولى هذه المهمة مؤخراً - تبدو جريئة ومثيرة للاهتمام لكن بعضها يبدو غريباً كأن يتم اختصار التعليم العام إلى 8 أعوام بدلاً من 12 عاماً، وهذا يعني أن الطلاب والطالبات يمكن أن يلتحقوا بالجامعة في سن الرابعة عشرة، وبالطبع هذا أمر غير معقول، كما أن جميع أنظمة التعليم في العالم تعتمد سلم الـ12 سنة في تعليمها العام، وهذا يعني أن الوزير يعني شيئاً آخر، فإذا كان هناك أربعة أعوام يرى أنها ضائعة في التعليم العام فإن هذا يشير إلى أنه سيتم تقسيم سنوات التعليم العام تقسيماً آخر يعظم فائدة الطلاب منها، وربما يكون هناك توجه لتبني التعليم بالتدريب Vocational Education أو شيء آخر قريب من هذا، والذي يركز على الإعداد المهني للطلاب، ويصنع لديهم مقدرة على الابتكار في سن مبكرة.

بالنسبة لي يكمن حل التعليم العام في التحول إلى التعليم عبر حل المشكلات Problem Solving Approach ولعل عبارة "برنارد شو" التي قال فيها: "إن الإنسان ينسى كل شيء إلا ما صنعه بيده" تبين أننا بحاجة إلى التحول إلى نظام تعليمي "تجريبي" وليس تلقينياً، يعتمد على بناء المشروعات الصغيرة، ويتم من خلال هذه المشروعات نقل المعارف والعلوم إلى الطلاب. تكمن الصعوبة في هذا النوع من التعليم في كونه يعتمد على أساتذة مدربين ومبدعين؛ لأنه يتخذ فلسفة أنه "لا يوجد طالب سيئ ولكن يوجد معلم سيئ"، وهذا يعني أنه إذا ما أرادت وزارة التعليم أن تتحول إلى فلسفة التعليم التجريبي يجب عليها أن تقوم بغربلة التركة الثقيلة في الوزارة من المعلمين التقليديين الذين يتخذون من مهنة التعليم وظيفة وليست رسالة.

ولكن الأمر لا يتوقف عند التعليم العام وإشكالاته العالقة منذ عقود، بل يمتد إلى الجامعات وهذه معضلة أخرى تستعصي على الحل، فنظام الجامعات الجديد الذي يبدو لي أنه لن يقر، كان يصنف الجامعات إلى جامعات بحثية وأخرى تدريسية وبعضها تقنية، وبالطبع لا أعلم لماذا نحتاج هذا التصنيف، لأني كنت أتوقع أن تصنف الجامعات حسب التخصصات أي أن تكون هناك جامعات هندسية وأخرى طبية وصحية وبعضها متخصص في الاقتصاد والبعض الآخر في العلوم الاجتماعية وجامعات في التقنية، ويتم تطوير الجامعات حسب حاجة المملكة ورؤيتها كي تصبح هذه الجامعات رائدة في تخصصاتها، لكن فوجئنا بتصنيف غريب مع أن جميع الجامعات السعودية الحكومية والخاصة تقوم بنفس الأدوار وتعلم نفس التخصصات. العبرة ليست في المسميات بل بالنتائج وبالتالي ما لم ننتقل نقلة جادة في عملية التخصص وتحديد ما نريد خلال الأعوام القادمة ستظل الجامعات بوضعها الحالي الذي لا تحسد عليه.

كما أنني سمعت مؤخراً أن هناك توجهاً لسعودة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية، ومن حيث المبدأ يفترض أن يكون السعوديون هم الأكثرية في الجامعات على جميع المستويات، ولكن في نفس الوقت الجامعات بحاجة إلى التنوع الثقافي والفكري، ووجود أعضاء هيئة تدريس من جنسيات أخرى يعتبر ممارسة طبيعية في أغلب جامعات العالم. لعل الإشكالية تقع في مسألة التوظيف لا الهدف من الوظيفة نفسها، وهذا جعل الجامعات تكتظ بالموظفين لا الأساتذة المميزين الذين يحملون رسالة التعليم في عقولهم وقلوبهم، بل إن الأستاذ المميز يكاد لا يبين وسط هذا الكم من الأساتذة الموظفين.

بالطبع لا نستطيع أن نتحدث عن قضايا التعليم كلها في مقال قصير مثل هذا، ولكن هناك شيء ما ينقص التعليم لدينا، هو الروح ربما، الإيمان بقضية التعليم من قبل المعلمين والأسرة والمسؤولين والطلاب. الكل يتحدث عن أهمية التعليم وأنه يواجه أزمة، وهذه الأزمة موجودة منذ أن خلقني الله في هذه الدنيا، ولم أرها تصغر بل كل يوم تكبر وتزداد وتتفاقم، لكن كلنا أمل أن يتغير هذا الوضع قريباً، فالحماسة الكبيرة التي يبديها معالي وزير التعليم كفيلة بأن تحدث التغيير خصوصاً إذا ما توفر الفريق المؤمن بهذه القضية المهمة.